في موازاة مواجهة جائحة كورونا، بات العالم يشهد تنامي انتشار جائحة أخرى هي جائحة الأخبار المضللة والمعلومات غير المستندة لأساس علمي، وأهم مظاهر هذه الجائحة هو انتشار الأكاذيب والسخرية من العلم والمعرفة الرصينة، وأصبح الكثيرون يخوضون غمار الحديث في أية قضية أو فكرة، ويجيدون وصف الأحداث أكثر ممن عاشها، ويقدمون الوصفات الطبية والعلاجية قبل الأطباء، ويطرحون آرائهم وتوصياتهم وكأنهم مختصين وعلماء.

وإن كانت كورونا تفتك بالأجساد فإن جائحة المعلومات المظللة تسيطر على عقول البشر وتعطلها، ويستقر فيروس هذه الجائحة في خلايا أدمغتنا، لقد كشفت جائحة كورونا ضعف البنية النقدية داخل المجتمعات، وغياب التفكير الاستقصائي العلمي السليم حتى من قبل ذوي الاختصاص أحياناً، واتسمت التفاعلات اليومية داخل المجتمع بالممارسات القائمة على الأوهام المعرفية التي تشكلت بدوافع نفسية واجتماعية، وانتشرت الأكاذيب والإشاعات والمعلومات المغلوطة.

ومع انتشار هذه الجائحة تزداد الخشية من تنامي نماذج ذهنية مشتركة داخل المجتمعات وحتى بين المثقفين، نماذج تتصف بالتلقائية وبناء الأحكام والقرارت المتسرعة، وتداول المعلومات دون تحقق ومحاكمة، الشيء الذي ينذر بسيادة مجتمعات الفوضى المعرفية مقابل مجتمعات الإستقصاء.

التكنولوجيا الحديثة وما نتج عنها من أدوات للتواصل الاجتماعي تسببت بزيادة حجم المعلومات وسرعة انتشارها وتداولها، ولم توظف في الغالب كأدوات للوعي والتنوير، ولم تستثمر للتأسيس لمجتمع الإستقصاء، بل عملت على تشويه القدرات الإدراكية للأفراد وعمقت التفكير التلقائي مقابل التفكير التأملي الناقد والمسؤول.

في مجتمع الاستقصاء ينحى المواطنون إلى دراسة جميع التكاليف والمنافع الممكنة من منظور مصالحهم الذاتية تمهيدا لاتخاذ القرارات المنطقية المدروسة وليس القرارات التي تتخذ تحت تأثير المعلومات المغلوطة أو عديمة الأهلية العلمية، كما يتداولون المعرفة العلمية الرصينة، ويبحثون عنها في مصادرها المسؤولة، كما يحاكمونها لمنطق الأشياء ومعايير العقل، ولا يطلقون الأحكام القطعية والنتائج غير الناضجة.

لقد إلتفتت الأمم المتحدة لخطورة هذه الآفة المتزايدة وتبنت مبادرة في مجال المواجهة الإعلامية لغمر الإنترنت بالحقائق والأدلة العلمية للحد من هذه الآفة التي وصفها أمين عام الأمم المتحدة بأنها سمٌّ يعرض المزيد من الأرواح للخطر.

rsaaie.mohmed@gmail.com