د.سهى نعجة

(كاتبة أردنية)


ارعوى د.محمد عبيدالله يفاتش النظرية المعجميّة والمعجم التاريخي عند العرب، عبر مغامرة لغويّة جريئة حُبلى بالتبصّر المنهجي الفطن، وبالحصافة النابهة، والكياسة الرشيدة في كتابه "الصناعة المعجميّة، والمعجم التاريخي عند العرب" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2021) مؤكّدا ضرورة عدم تجاوز تفاعل مستويات المنظومة اللغويّة، بوصفها كلها معا منوطة بالدلالة المتوخّاة من التركيب الجُمْليّ، وأنّ المفردة وحدها حرّة غير مقيّدة صِفريّةُ الدلالة. فالجملة عمدة وفضلة إن هي إلا مبنى ثمّ معنى.

وببوحٍ مترع بالعتب أخذ عبيدالله على الباحثين عربا وأعاجم تعثّرهم في تشييد هيكل متين للنظرية المعجميّة مفاده أن لا فجوة كما يُدّعى بين المستوى المعجمي والمستويات اللغوية الأخرى: الصوتية، والصرفية، والنحويّة؛ ذلك أن اللغة ضميمة لغويّة تتآزر مستوياتها كلّها لتشييد بنيان لغويّ يشدّ بعضه أزر الآخر عبر المحمولات التي يتغيّاها: حقيقة ومجازا، مستفيداً من آليات التوليد اللغوي المفرداتي الذي لا بدّ أن يغتني به المعجم العربيّ؛ ذلك أنّ التطوّر على مستوى المفردة يسري كالنار في الهشيم، أما التوليد في المستويات اللغوية الأخرى فهو أقل نماء وتطوّرا لأنه غالباً محتكم إلى صرامة معيارية تحفظها من الانزياح أو العدول، فتحافظ على نفسها على هيئة اقتران شرطيّ مسوّر، لكنه قابل مع تقادم الزمن، والطوفان المعرفي في آليّات التواصل للانفكاك، كما في البنى الصرفيّة، والنحويّة التي أكّدت نظرية إعادة التوزيع الكمّي لمفردات النظريّة اللغويّة بعامّة، وإن كانت أكثر اجتراحا في المستوى الدلاليّ، ولا سيما عبر ميكانزم التعريب والترجمة الحرفية، والترجمة المبنية على مثاقفة عُليا أو دنيا، ممّا يجعل اللغويين يتباينون بين رفضٍ وصمت وقبول نظرا لذهنيّتهم المعرفية التي تنظر للغة بوصفها محميات لغويّة، أو محظورات، أو كينونة اجتماعية تتفاعل وسيرورة المجتمع، ومع هذا التسامح اللغوي الذي نجده عند بعض اللغويين، فيجأرون به ويجهرون كما الحال عند أحمد مختار عمر، ولا سيما في "معجم الصواب اللغوي" و"معجم اللغة العربيّة المعاصرة".

إن المعجم كما يرى عبيدالله، ليس رهن إشكاليّة يصعب ارتيادها، إنه كما قال إبراهيم بن مراد: "عنصر اللغة المتقلّب" الذي يظلّ يمارس دوره في الحياة على وفق معيار فيزيائي هو النشاط والخمول، ولعلّ هذا التغيّرَ الحتميّ بوصفه لسان حال أفراد الجماعة البشرية السببُ المفصليّ الذي جاء على هيئة تفاصل وتواصل حول الإشكالية المتعلقة بوصف المعجم: أهو صناعة؟ أم فنّ؟ أم علم؟

واستضاء عبيدالله في كتابه هذا الذي انتظم في أربعة فصول، وخاتمة، وملحق بمصادر ومراجع منفتحة على الموروث والمستحدث، والعربي والأعجميّ المترجم، والأعجمي الأصيل، وبعض المواقع الإلكترونية الموثوق بها، وصاغ رؤيته بحبرٍ شموس ملتوت بالنبل المعرفيّ والوجع المغمّس بالحيرة بين احتراف الصناعة المعجمية، واحتراقها، واختراقها: نجوزا وكُمونا، وتأصيلا وتأثيلا، وجِدّة وحِدّة في ترتيب الوحدات المعجمية، وتعريبها وتغريبها.

وانتصر عبيدالله في كتابه إلى المعيارية بوصفها رائزا حكيما في المشهد اللغويّ، قوامه الاحتجاج، منوطة بالنحو لا بالدلالة، ورأى أن إسقاط الحِجاج النحويّ على المعجم كفيل بخمولٍ فموت، فتغدو العربية مع مرور الزمن كاللغات العازلة، هُويّتها ثابتة لا تتغيّر. لذا ما انفكّ عبيدالله في إشكاليته المعجميّة ينطلق من قولة: "لا يفلّ الحديد إلا بالحديد"، فجعل الصرامة المعياريّة حِجاجه على المعجم نشأة وتصنيفا، محاولا جبر ما انكسر في الأدبيّات والروافد المرجعية حول المعجم العربي.

وفي كتابه "الصناعة المعجميّة" ما يُدِلّ لا ما يُضِلّ حول هذا المكنز اللغوي الذي ما نزال أنّى ادّعينا تطويرا نرتدّ إلى الحَجْر على الوحدات اللغويّة الجديدة بوصفها زائرا غير مرغوب فيه في كتاباتنا العلمية، وخطاباتنا التي غالبا ما تنحو نحو الفصيحة الميسّرة، فإذا ما شرعنا في تصنيف معجم لغويّ؛ عُدنا ننظر إلى اللغة بعين الفراهيدي، وابن فارس، والجواهري، وغيرهم ، نجور على لغتنا ونغرف من لغتهم بوصفها ما قالته العرب، مع أن قولة ابن فارس: "كلام العرب أكثر من أن يحصى" تؤكّد أن غالبيّة المعجم المستحدثة كحاطبِ ليل، تزمّ غالبية ما ورد في المعاجم الأصول، وتأخذها العزة بالإثم حين لا تنظر إلى اللغة بوصفها ابنة الحياة.

إن عبيدالله حين يدقّ رأسه غيظا لهذا التفاصل بين المعجميين فإنه يغدو كـ"مسرور" الذي يسَعُه بمنطق سَوْطه العلميّ الحِجاجيّ أن يدقّ أعناق الذين يرتجلون رؤاهم المعجميّة، لكنه تجلّد، وتصبّر، وأخذ يسبر منهجية بناء المعجم العربي: تصوّرا وتمثّلا بتؤدة وبتأنٍّ بمنهج وصفيّ تحليليّ لئلا يجد نفسه في حقل ألغام، فكانت وقفته النابهة الأولى: (المعجم وصناعة المعجم: الإطار النظري والتاريخي) مستأنِسا فيها قولة إبراهيم بن مراد: "ونظرية المعجم لا تزال في الحقيقة موطن الضعف الكبير في اللسانيات الحديثة، فإن البنيويّة في النصف الأول من هذا القرن لم تُعْطِ المعجم حقّه من البحث، ثم زادت المدرسة التوليدية... أمره بتغليبها المكوّن التركيبي في البحث اللساني، وخلطها بين المعجم اللساني والمعجم المدوّن، وبقي مفهوم المعجم لذلك منحصرا في قائمة المفردات، حتى عدّه بعضهم سجنا، وعدّ المفردات مساجين خارجين عن القانون، وقُصرت وظيفته أن يكون ذيلا لنظريّة النحو".

وعكف عبيدالله يراجع المرجعيّات المعجميّة، فأورد آراء متفاوتة للّغويّين المتفقهين في المعجم نحو: إبراهيم أنيس، وأحمد مختار عمر، وعلي القاسمي، والطيّب بكوش، لكنّ حِدّته كانت على تمّام حسّان الذي جعل المعنى مقدَّما على المبنى في كتابه: مناهج البحث في اللغة: المعنى والمبنى، إذ جعل المعجم هامشا والمستويات اللغوية الأخرى مركزا، لكنّه سرعان ما شفَعَ سَوْرَة غضبه حين تراجع تمّام حسّان عن هذه الرؤية في كتبه اللاحقة التي كان ديدنها دوام رجع النظر في ما يصدر عنه من آراء.

وفي ضوء هذه المرجعيّات أكّد عبيدالله أن المعجميين قاربوا مفهوم المعجم، لكنهم فارقوا المصطلح، فغدونا في فوضى المصطلح، وجداه؟ وسرد عبيد الله مصطلحاته، وصاحب كل مصطلح (على غرار: علم المفردات، وعلم الألفاظ، وعلم المعجم، وعلم المعجمات، وعلم المعاجم النظري، والمعجمية النظريّة، والمفرداتية) ليقرّر أن علم المفردات قاعدة لثقافة المعجميّ وتكوينه، وهو أساس أي مقرّر أو منهاج لإعداد المعجميّين نظرا لتركيزه على المفردات اشتقاقا وتركيبا، ودلالة، وعلامات، مقرّاً في ضوء ما وسم به المعجم ضعفَ مقرراتنا نظرا لجمود آلية تعليمها.

واحلولى الحديث من لدن عبيدالله عن المعجم والقاموس عند العرب قدماء ومحدثين، وعربا وأعاجم، فأصاب برأيه أنهما دالّان لمدلول واحد، منطق البحث العلميّ الذي يتساوق وقولة الفاروق عمر بن الخطاب: "لِينٌ في غير ضعف، وشدّةٌ في غير عنف"، ولا سيّما بعد أن استدلّ على مفهوم المعجم من مسمّيات قديمة للمعاجم نحو: كتاب الخيل، وكتاب الإبل، وأسماء التمر، وجمهرة اللغة، والمجمل في اللغة، والقاموس المحيط، ومحيط المحيط، وتهذيب اللغة، ومعرّب القرآن، وكتب الظّاء والضّاد، وقاموس (وبستر) الإنجليزي الذي يُعد من المعاجم الرائدة تاريخيا.

فهذه المسمّيات جميعا تتقاطع في دلالتها كلّها منبعاً ومصبّاً، فلِمَ نُربك الدارسين ونشتّتهم بفروق لغويّة يراها بعض الدارسين من باب الترادف، وهو الأولى والأجدى!

ولا شكّ في أن وقفة عبيدالله حول أبجدية التصنيف المعجمي طالت وتشابكت، لكنها أتت أُكُلها، فأفادت إذ اغتنت من قولات المتخصصين في حقّ المعجميّة العربية من اللغويين الناهضين بحثا ومفاتشة نحو: شوقي ضيف، وإبراهيم السامرائي، وعبد الكريم مجاهد، ومحمد حبلّص، وحلام الجيلاني، ومحمد رشاد الحمزاوي، وغيرهم.

إن د.محمد عبيدالله باحث يعرف كيف يسخّر أدواته المنهجية وذهنيّته الحِجاجيّة لتجلية إشكاليّته البحثيّة، فجرؤ إذ نهد باعتراف جلْدٍ مفاده أن المعجم خِدن القاموس، وأن فيض التبصّر بما صار عُرفاً فضيلة ومحمَدة، ذلك أنّ تصنيف المعجمات يروزه عوامل عدّة، نصّ عليها حسين نصّار في كتابه "المعجم العربي: نشأته وتطوّره"، وتبعه محمود فهمي حجازي الذي أضاء معالم تصنيف المعاجم المعاصرة تبعا لاختلاف معيار التصنيف القاموس بـ: المحتوى الدلالي، والهدف، والعلاقة بين لغة المدخل ولغة الشّرح، وطبيعة المداخل، وكثافة المداخل، ودرجة الاهتمام بالمادة الموسوعية، وطريقة ترتيب المداخل، وطريقة الإيضاح.

وانتصر عبيدالله للّساني اللغوي حلمي خليل الذي أورد أهم أصناف المعاجم وأنواعها المشهورة التي تتقاطع مع بعض الأنواع التي وردت في تصنيف حجازي، غير أنها انمازت بوضح ونضج واكتمال، تمثّلت في معجم أحادي اللغة، والمعجم ثنائي اللغة، والمعجم الوصفي، والمعجم الموضوعي (معاجم المعاني، والمعجم التاريخي)، بينما اجتهد علي القاسمي في تنظيم تصنيفات المعاجم المتقابلة من معجمات الناطقين بلغة المتن (لغة الأصل) مقابل معجمات للناطقين بلغة الشرح (لغة الترجمات)، ومعجمات للّغة المكتوبة أو الفصحى مقابل معجمات للغة المنطوقة والعامية، ومعجمات للتعبير باللغة الأجنبية مقابل معجمات لفهمها، ومعجمات لاستعمال الناس مقابل معجمات للترجمة الآلية، ومعجمات تاريخية مقابل معجمات وصفيّة، ومعجمات لغوية مقابل معجمات موسوعية، ومعجمات عامّة مقابل معجمات متخصّصة.

ومثل هذا التصنيف يعرب عن وعي حذِق للصناعة المعجميّة، ييسّر طرائق البحث عن الوحدات المعجميّة، وبلوغ ما آلت إليه: نشاطاً، وخمولا.

لقد نمَت في نفس عبيدالله غَيْرة جموح حول الإبداع والابتداع والاتّباع في الصناعة المعجميّة: مفهوماً، ونشّأة، وتصنيفا، فما انفكّ عن رحلة شاقّة شائقة في أمّات الكتب حول مراحل جمع الحصيلة اللغويّة، ومنهجيّة ترتيبها، واستكناه مسمّيات مدوّناتها، فكان كتابه هذا كتابَ رؤيا ورؤية يشهدُ على برّه بعروبته بعيداً عن التحيّز اللغوي والصرامة المعياريّة، مؤكّداً أن ارتياد الآفاق اللغويّة لا يحدّه تصنيف لغويّ أو معجميّ أو لسانيّ، وأن الأديب الناقد الواعي يجُبّ هذه المسمّيات المريضة؛ لأنّ اللغة تتسع فهما وإفهاما في روح واحدة تجمع المشتغلين فيها كلّهم أجمعين.