رشيد عبد الرحمن النجاب

(كاتب أردني)


"الله معقول ؟لا، مُستحيل!

قال وهو يحملق في الفتاة الشابة التي تمر في المتجر".

هكذا، ومن دون مقدمات، يجد القارئ نفسه في وسط الحدث في رواية "العشق المرّ" للكاتب د.بسام أبو غزالة، كأنه يمر بالراوي وهو ينطق بهذه الجملة، وكأن القارئ يشاركه فيما ارتسم على جبينه من علامات المفاجأة وعدم التصديق.

نيف وأربعون عاما مضت قبل أن يجد البطل "جابر" نفسه في هذا الموقف، يَصدُق حدسه ويعثر على حبيبة عمره، التي فرقته عنها نكبة فلسطين عام 1948، يقرأ معالمها في إطلالة الشابة "عبير" التي كاد لولا مخافة الحرج وإدراكه لِما مر من السنين أن يناديها "يا زينب!".

وبانتظار وعد اللقاء مع الحبيبة الغائبة، يخوض "جابر" في شريط الذكريات منذ اللحظة التي افترق فيها عن زينبه قبل عقود طويلة عانى فيها البعد والفراق عن الوطن والحبيبة في آن، وعبر فصول قصيرة متتابعة تصلح أن تشكل سيناريوهاً لمشاهد مسرحية من "المونودراما".

مِن صَيد "جابر" للحساسين، وصنعه للطائرات الورقية التي كان يبهر الحبيبة بها، إلى غيرها من الألعاب الطفولية ثم إلى وقتٍ غير كل الأوقات، بدأت تتشكل فيه آلام الفراق وحرقة البعد عن الحبيبة والوطن -وما هما سوى مترادفَين ومرادفَين للسعادة والاستقرار- يتنقل السرد الذي أورده الكاتب على لسان "جابر" بين ما هو خاص، إلى حلقات أوسع من الشأن العام؛ من معاناة السفر وآلام دوار البحر في رحلة التهجير إلى صيدا، وصولا إلى عالم جديد كل ما فيه مؤلم.. من ذكرياته وأيامه الجميلة مع "زينب" في الديرة قرب يافا وأيام اللجوء القاسية، إلى المدرسة التي اتخذ فيها سكنا مؤقتا في صيدا، إلى فرَج نسبي بالانتقال إلى خيمة مستقلة للعائلة في "عين الحلوة" -التسمية التي ظنّها وصفا لزينب-، ثم إلى بيت من الطوب وسقف من الصفيح. كل ذلك أملا بالفرج التام بالعودة إلى يافا وديرة بني مسعود.

لم يكن السرد قاصرا على الخاص في حياة "جابر"، بل كان يعرض قصة جيل بأكمله، ويقدم قراءة شاملة بإيجاز بليغ لفترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وما اشتملت عليه من نشاط حزبي ومواقف قومية.

وينتقل خبر اللقاء إلى "زينب" التي تخوض في مشاهد موازية من المونودراما تلخّص من خلالها مسيرتها عبر عقود أربعة، مرورا بمحطات مشابهة تنقل بينها جابر، ولا تخلو أيضا من ذكرى الحبيب الغائب مجهول المصير، مرورا بالحياة الدراسية والعملية الحافلة بالنشاط الحزبي، مع فارق احتجاب إمكانية التعليم الجامعي لـ"زينب"، ليس لعجزٍ عن تحصيل فرصة مماثلة، بل لسبب اجتماعي يمنع الفتاة من الاغتراب وحيدة، كما أن فرصة إكمال التعليم حتى الثانوية في ظل وجود فرصة للزواج كان يعدّ منحة نادرة لا تنالها إلا بعض الفتيات، وهو عامل آخر يمكن أن يلحظه القارئ، فـ"جابر" طالما تمنى أن يجد "زينب" في الجامعة، وقد بدا ذلك ممكنا بطريقة ما، إلا أنها فرصة لم تتحقق للحبيبين. ويتم اللقاء وتتشكل ظروف جديدة قد يُفسد الخوض فيها ما أراده الكاتب من تشويق.

في هذه الرواية الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" (2020)، سرد بارع لمرحلة حيوية من تاريخ الشعب الفلسطيني، عبر قصة قد تبدو عادية وربما سمعنا وقرأنا العديد من أمثالها في الأدبيات والوثائقيات التي تناولت الزمان والمكان والإنسان، ولكن ثمة في هذه الرواية ما يميزها.

فالعرض المونودرامي المتوازي الذي قدمه كلّ من "جابر" و"زينب" للفترة التي افترقا فيها، كانت متكاملة خالية من التكرار، بليغة الإيجاز، شاملة لتفاصيل مثيرة تقرأ الواقع من جوانب مختلفة، فلد تعرّضا كلاهما ابتداءً للمعاناة على المستوى الشخصي من ألم الفراق والتشتت والشوق إلى أيام وذكريات جميلة أحبطها التهجير بفعل اليهود الأشكناز وبدعم وتشجيع من المستعمر البريطاني.

كانت الدراسة والحرص على التفوق نهجا حرص عليه الفلسطينيون على اختلاف مواقعهم وانتقل بهم من مرحلة الحرمان إلى مرحلة الاكتفاء وربما الانتقال إلى طبقة اجتماعية مختلفة، ولكن دون فقدان البوصلة التي تقرأ فلسطين دوما إلا في حالات نادرة، والدراسة كانت للجنسين، وإن كان الذكور امتازوا بالقدرة على الاغتراب في مرحلة ما، إلا أن السيدة الفلسطينية وصلت إلى مراحل متقدمة على سلّم العلم، وكانت المرأة إلى جانب الرجل في المدرسة، وفي العمل، وفي الحياة السياسية أيضا.

تعرّض الكاتب للتجربة الحزبية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته وسبعينياته، مشيدا ببعضها ومنتقدا لبعضها الآخر، ولم يطرح التفاصيل بأساليب خطابية وتوثيقية، بل استنادا إلى صميم الحياة العائلية، فـ"زينب" التي أشارت إلى انتمائها لحزب البعث في مرحلة مبكرة من حياتها، التقت بالزوج الذي تبيّن أنه عضو في الحزب الشيوعي، وبين التنظيمين ما بينهما من اختلافات، وربما بعض نقاط التلاقي.

وبصرف النظر عن دور المؤلف في ابتكار مثل هذه العلاقة، والتساؤل عن إمكانية تحقيقها على أرض الواقع، إلا أنه، وعلى لسان "زينب"، آثر أن يعطي الأولوية لديمومة الرابط الزوجي بينهما، فهل هو الوعي الذي أوقد الدفء في هذه العلاقة وحافظ على ديمومتها؟ ربما، وربما أيضا أن ثمة رسالة بين السطور تدعو لمثل هذا النموذج بين التنظيمات أملا في صون وحدة الوطن!

تناول الكاتب عبر أحاديث "زينب" بعض الأقوال والتعليقات المتبادلة بين التنظيمات، والتباين في تقييم المواقف دون أن يلحظ القارئ ميلا نحو أحد الأطراف أو إدانة لطرف ما، وربما وجد المؤلف في الاستعانة بالراوي "زينب" في سرد هذه المعلومات عونا له في هذه المهمة، إلا أنه قدم الصورة الواقعية والحقيقية لهذا الموضوع باختصار واقتدار.

تناول العرض المقدَّم من خلال البطلين "الحبيبين" استعراضا لأحوال الشعب الفلسطيني عبر أربعة من العقود في النصف الثاني من القرن العشرين، متضمنا مراحل النكبة واللجوء، وحلف بغداد، ونكسة حزيران، وحتى حرب تشرين، وأحداث أيول وأحداث لبنان (1982)، وتحدث عن المقاومة الفلسطينية وحكايات الصمود، والجهود التي بُذلت لإقناع مَن اعتزم الرحيل هروبا مما وصلت إليه الحال، والاعتقالات في السجون الإسرائيلية، والتعذيب، والإبعاد.

تضمن العرض تصويرا لعلاقة الفلسطينين بالعرب في ديار الشتات، وتراوح هذا العرض بين صورة للفلسطيني في بعض الأقطار حيث يُمنع إلا من متطلبات الجسم الفسيولوجية، والتعليم من دون عمل، وجواز السفر الذي لا يصلح للسفر، انتقالا إلى العمل في دول قدم لها المؤلف نموذجين مختلفين؛ فمن مواطن يشتم الفلسطيني في المطار، إلى علاقات اجتماعية يغلب عليها المودة والتراحم والبساطة.

يبقى السؤال: كم من "زينب" و"جابر" بين أبناء الشعب الفلسطيني؟ وهل نحن في حاجة لكل هذه القصص؟ ويأتي الجواب أنْ نعم، فثمة بين سطور هذه القصص ما هو جديد، وثمة في أساليب السرد ما هو مستجد وممتع ويمنح الصورة الكبرى تكاملا ودقة في التفاصيل، وتبقى ذاكرة الأجيال الجديدة حية وإن مضت أجيال الأجداد والآباء.