إنّ المجتمع الذي تسمو فيه الرحمة، ويسعى فيها كبيرُهم لشؤون صغيرهم، ويسارع الأقوياء فيه إلى فعل الخيرات، إنه لمجتمع آمنٌ، يخطو بثقةٍ نحو التقدم والازدهار، ويزداد تماسكًا وهو يحنو على الضعيف ويطعم القانعُ الجائعَ، ويكسو صاحبُ الثياب أخاه المتكشّف من حرّ الصيف وقرّ الشتاء.

تلك هي كلماتٌ قليلةٌ أمام ركنٍ من أركان الإسلام، يمكننا من خلاله أن نحقق الشـيء الكثير، ونتجاوز المعيق والعسير، ونصنع التيسير باليسير.

وإنّ الزكاة جعلها الله تعالى، رحمةً للفقير، ونماءً للمال، وبركة للغنيّ، وعنوانا للمودة، ومانعة من الحسد والحقد والعداوة والبغضاء، تفتح أبوابا للمال الحلال، وتمنع عنّا قيلاً وقال، وكثرة السؤال، وأكل المال الحرام، وترضي اللهَ عنا.

لقَوْلُهُ تَعالى: «إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللهِ واِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ». وفي هذه الآية، يقول الإمام الرازي: وهَهُنا مَقاماتٌ: المَقامُ الأوَّلُ: بَيانُ الحِكْمَةِ في أخْذِ القَلِيلِ مِن أمْوالِ الأغْنِياءِ، وصَرْفِها إلى المُحْتاجِينَ مِنَ النّاس. والمَقامُ الثّانِي: بَيانُ حالِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

ومعلومٌ أنّ توزيع الزكاة يقدّمُ فيه الأهمّ على المهمّ، ومن ذلك مراعاة حال المستفيد، ونحن في زمنٍ تكالبت علينا الظروف الصعبة، التي نواجهها بعزيمة وثبات، وبإيمانٍ راسخ وعقيدة سمحة، ومن أدواتنا في مواجهة الظروف الصعبة «أداء فريضة الزكاة». ولعلّنا في شهر رمضان لا نحتاج إلى تذكير المستحقّ عليهم أداؤها بمشروعيتها، وأنها فرض وحقّ للفقير تؤدى لهم، بل إنّ من شروط الزكاة أن يؤديها الذي يملك النِّصاب، وهي طيبة فيها نفسه.

ولكنني أتناول أهمية توجيه جلالة الملك في اجتماع ضمّ وزير الأوقاف ومفتي المملكة ومدير عام الزكاة، بتوجيه مصارف الزكاة لتنمية المشاريع لمؤازرة المعوزين، ولتحقيق مبدأ التكافل الذي تدعو إليه فريضة الزكاة في الدين الإسلاميّ، من خلال المشروعات التي ينتظرها الكثيرون من مستحقيها.

وعطفا على ما جاء في ثنايا اللقاء السامي، أُذكِّر بأمور منها:

أولا: الفقر ليس عيبا: إنما العيب أن نكون مكتوفي الأيدي ولا نسعى لدعم مجتمعنا، وتحقيق السعادة لأسرتنا الصغيرة وللمجتمع.

ثانيا: أهمية المهنة: فصاحب المهنة المتقن لها، الذي يصبر على تعلّمها ويكابد العيش من خلالها، ويطلب الرزق الحلال، هو يستحقّ الدعم والمؤازرة.

ثالثا: مؤازرة المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي بمثابة خطوة نحو الأمام: تنعش الاقتصاد وتحقق الرفاهية، والمطلوب منا أن نشجعها جميعا: الغنيّ بأمواله، والمحتاج بجهده وخبرته، والناس بالشراء منه والتعامل معه.

رابعا: التوجه إلى مساندة الفقير والمحتاج من أموال الزكاة لفتح المشاريع الصغيرة والمتوسطة: هي بمثابة إيعاز من جلالة الملك لتحفيز الشباب والشابات للعمل وترك الخمول والكسل، والحدّ من البِطالة، وزرع القفة في النفوس، مما يعني: «العمل خير من النوم».

خامسا: الأمانة ثقيلة: فعلى من يُعطى من مال الزكاة قيمة مشروع، فالمال في حقه أمانة، وأسرته التي تنتظر منه أن ينقذها من مطبات الفقر أمانة، والمجتمع يحتاج منه أن يتحول من آخذ إلى معط، ليتحقق الفرق، وتتغير الأرقام الصعبة.

وأخيرا: نسأل اللهَ أن يبارك بمَن يعطون زكاةَ أموالهم، وأن تعود عليهم بالخير والبركة والنماء، وأن يجعل ما يقدمونه حسناتٍ تملأ موازينهم يوم القيامة بما يرضيه عنهم.. آمين.