إِن أغلى ما نقدمه لوجه الله، هو أغلى ما نملكه في ملك الله، وهي النفوس التي بين جنبينا. وهي فارس ميادين النجاح، وبما تحمله من معنويات تتقدم البشرية وتتجاوز العقبات والمعيقات. وقد تعلو هذه النفوس فتصل ذروة الإنجاز، وقد يهملها صاحبها فيتردى في الهزيمة أمام شوكة ضئيلة.

وحينما أمسى الوباء مخيما على الإنسانية، يقض مضاجعها، ويحرمها حرياتها، ويمنعها قوت يومها، وكان العدوّ ليس شوكة فحسب، بل لا يرى بالعين المجرّدة، فتحولت ساحات الوغى من ميادين المعارك، إلى المختبرات والمستشفيات والعيادات، وأصبحت الكوادر الطبية هي الصفوف الأولى في المواجهة وتتجه إليهم أنظار الأمل ونبضات الفأل، أن يكون النصر على أياديهم.

وفي واقع أملى علينا درسًا شاء الله فيه، أن يجمع الإنسانية جمعاء لحضوره، لعلهم يتفكرون فيما هم فيه من تنازع، فهذا الوباء كيف حضر وعلى اي جناح من الشؤم رفرف فوقنا؟. والمحصلة الحاصلة أنه يلزم البشرية أن تنبري للتصدي له، وكلٌّ حسب موقعه.

وفي كورونا وقف الأطباء والكوادر الطبية في المواجهة، فصبّوا الجهود لإخراج الفيروس من جحوره، وكشف القناع عن هويته، ليتمكن عمومُ المختصين من معرفة ماهيته، وكيفية القضاء عليه، فتكاتفت الجهود الاستثنائية من الصادقين في العالم، حتى أشعرتنا بأننا في سفينة واحدة، فالألم واحد والهمّ واحد، بل وكأننا عائلة واحدة، عُدنا من حيث بدأ أبونا آدم وأمُّنا حواء.

ومِن الأطباء مَن يواصل النهار بالليل ليخفف معاناة المرضى بما تيسر من إمكانات متاحة، ولو بالكلمة الطيبة، ويتكاتف معهم الممرضون والممرضات، والعاملون في القطاع الصحي، في دور منوط بهم حقق لهم الشرف المؤثل وبنى لهم صرحا من الذكريات المختلطة بين المآسي والنجاح الباهر.

فمرحبًا بالكوادر الطبية، الذين يتنافسون بتقديم أغلى ما يملكون ليتحقق النصر على كورونا، وتنكشف الغمة، ويتحقق فيهم قول الله تعالى: "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْـمُتَنَافِسُونَ". فمع مواجهة حتمية مع الوباء قضى بعض النبلاء نحبه، وقدم نفسه مدافعا عن أرواح ليحييها، فأحيا الله ذكراهم في الشهداء الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون.

والكوادر الطبية ومن آزرهم، قد أبلوا بلاء حسنا، وعلمونا كيف نصنع من الإبرة أملا، ومن التفاني أنفاسا ننعش بها رئتين لمن ينازع الحياة، ومن المريول الأبيض سلاحا فتاكا في مواجهة الوباء، ومن تلبية نداء الواجب درسَ الشرف في مهنة نفخر بها من يومها، واليوم يحق لنا أن نفاخر بها أكثر.

فلنسطر أسماء الذين قضوا في مواجهة كورونا، بتسمية قاعات في كل مشفى ليتذكر الأجيال من بعدنا ان هناك عزيمة جعلت الأطباء أبطالا بسماعاتهم التي هي أثقل من المنجنيق زمن الضيق.

وفي ميادين المنافسة تتحول مهنتا الطبّ والتمريض، إلى نياشين تطوق أعناقهم وذويهم من بعدهم.

ثمّ.. أنعم وأكرم!! بمواكب النبلاء في كل مكان وزمان، ممن انبروا دفاعا عن الإنسانية أمام هذا الوباء، بشتى ميادين الحياة.

agaweed1966@gmail.com