كتاب

البشرية تخوض حروبها على حساب أبعادها الإنسانية «3»

سقطت الأقنعة، فوسط هذا الصراع والمشادات والخلافات السطحية والتحديات الوهمية، اُبْتُلي العالم بإمتحان رباني، فحدث الظرف الوبائي الذي اجتاح العالم كواقع لقدرة التحمل، فسقط الجميع ودفع فاتورة غالية من شعبه وإقتصاده، فبين خلافات الظاهر التي لا ندرك واقعها وأصولها، ظهر العدور البشري ليكشف درجة الجشع والأنانية التي تسيطر على التفكير، وأصبحنا الأقرب للصلاة والدعاء لنجاح قادة البحث العلمي والعلماء وجنود المختبرات، بتسابق حميم مع الزمن لكشف أسرار الفيروس اللعين وإيجاد العلاج واللقاح كأمل مجرد، ربما يكون يتيما بمنظو?نا، حيث بدأ الإعلان عن شعلة الوباء من مدينة ووهان الصينية بوقت متأخر عن موعد الولادة الحقيقي، والذي شكل مادة لحروب كلامية متبادلة بين العظماء الإقتصاديين، لكننا ننشغل بمعادلة جدلية بين كونه فيروس طبيعي أو وليد مختبرات صناعية، وبفائدة برسم البيع على تحورات سلوكية، فسجن العالم وأغلقت المطارات وتوقفت عجلة الانتاج، ناهيك عن نزف بشري يومي مستمر، ولكن الأمل الذي يغلف أمانينا بولادة اللقاح، منحنا الصبر والتضحية، وكان هناك سباق محموم افتقد لجزئية أخلاقية لنيل شرف لقب الفائز الأول بالاختراع على مستوى الدول المتسابق? حتى لو كنا جانباً مهماً من التطبيق العملي بمرحلة التجارب السريرية البشرية، والتي انتهت مراحلها الأولى بولادة جيل من اللقاحات التي تهدف لنفس الغاية وبنفس التوقيت والمراحل اللازمة.

بدأت حرب اللقاحات العالمية بصبغتها الجيوسياسية والتي أظهرت زيف الإدعاءآت بالديمقراطية بثوب العدالة والانسانية، فكان السلوك الأناني والذي يتناقض مع المبادىء مع التحفظ، بقرارات داخلية وشعبوية تسويقية لأهداف أحزاب وبرامج انتخابية، باحتكار مؤقت للقاحات المنتجة لشعوبها، بمنطق التبرير لأولويات، مغلفة بشكوك لتضاعف من حجم التشكيك الدولي بنشأة الوباء وتحذيرات تناول المطعوم، لضبط الخارطة الجينية للشعوب بنظام تحكم عن بُعْدْ. أصبحت حرب التسويق الشرسة تصنف الدول حسب تبعيتها بمقاييس تُفَصِّلها وتفرضها، بما يناسب أهدافها?المعلنة والمستترة، فهناك صراع بين دول المعسكر الغربي (الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية) والشرقي (روسيا والصين)، لتسويق منتجاتها بتوقيت يناسبها، كما أن الحرب ذاتها بين دول كل معسكر تأخذ شكلا عدائيا؛ فهناك خلاف على مأمونية اللقاح وفاعليته بين الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين وكل ينحاز لصناعته، وصورة طبق الأصل في المعسكر الشرقي بين روسيا والصين، بل ونشبت حرب معلنة بين المملكة المتحدة بعد انفصالها عن الاتحاد الأوروبي وبين دول الاتحاد، فتبادل الاتهامات لمضاعفات تعصف بمأمونية اللقاح وفاعليته، وهو صراع?اقتصادي وتسويقي بالدرجة الأولى، ونحن في الدول المتفرجة ننتظر الفائض، لنفاخر بنوع اللقاح الذي تسمح الظروف والفائض بوصوله الينا، لعلنا ندرك حقيقة غير خلافية، أن التسويق العلاجي والغذائي يخضع لمقاييس التحالفات والإنتماء، ونحن لسنا أولوية بأي شيء.

حرب اللقاحات فرصتنا لمراجعة أدبيات سلوكنا، ومحفز لدخولنا عالم التفكير والاختراع، بعيدا عن اجتهادات وسلوك الفزعة الذي حجمنا بقالبه الضيق، وجعلنا أسرى لثقب لا تتعدى حدوده رؤية الغد الأفضل، فشركات الأدوية العملاقة ودولها الحاضنة، تحكم مسار الوباء ومراحله، وتفرض شروط الإذعان على الدول التي تقمصت أدواراً ثانوية ومتواضعة للعطف عليها بفائض الانتاج، وما بين حيرة الاختيار وفرص الحصول، هناك مساحة زمنية للتفكير بالمستقبل، فرصيد القوى البشرية مؤهل لصنع الفرق.

طول الانتظار لركوب عربة قطار الحضارة، يستنزف رصيد العمر المتناقص، وسقوط طائرة الحضارة الأخلاقية، يلزمنا للبحث عن الصندوق الأسود وتحليل شيفرته وللحديث بقية.