عمان- فرح العلان

جاء تفاعل وزارة التربية والتعليم مع مئوية الدولة الأردنية، من خلال إنتاجها فيملين وثائقيين، حمل الأول عنوان «الرايات» والثاني «حكواتي المئوية».

أشرف على مراحل إنتاج الفيلمين اللذيْن جرى تصويرهَما في معظم محافظات المملكة د.عبد السلام الشنّاق، وشارك في إخراجهما باسم عوض ود.محمد شواهين وجمال جبريل، وقدّم الموسيقى لهما عبد الرزاق مطرية، وكتب نصوصَهما الروائي الزميل محمد جميل خضر والكاتب د.محمود الرجبي.

* رايات المجد

عشر رايات يلقي عليها الفيلم الأول تحية المعنى، ويمرّ على تاريخها، وقيمتها، وعنفوان زمانها، ومساحات تحليقها في العُلا: راية رسول الله، الراية الأموية، الراية العباسية، الراية الفاطمية، الراية الهاشمية، راية الثورة العربية الكبرى، راية المملكة العربية السورية (1918-1920)، راية المملكة العراقية (1921-1958)، راية المملكة الأردنية الهاشمية وعلم جلالة الملك.

منح فيلم «الرايات» مساحةَ تأمّلٍ لكل رايةٍ، ومنتصب القامة مرفوع الهامة وقف أمام مجد سموّها، راصدا في معانيها كلَّ علامة.

احتاج فيلم «الرايات» كما يؤكد القائمون عليه إلى جهد كبير لتوفير المادة الأرشيفية التي قُدمت خلال استعراض الرايات، فهو نوّع في خياراته بين المادة الأرشيفية والتصوير الخاص بالفيلم وراياته. وشمل التنويع بين استخدام الأرشيف والتصوير الخاص فيلم «الحكواتي» أيضاً.

حول رايتيّ رسول الله البيضاء والأخرى السوداء (العُقاب)، جاء في نصوص فيلم «الرايات»: «الأسود لون الشموخ. إيجابية المعنى. قوة الجانب ومنعته حين صليل السيوف. لون الحبر في بدايات المعارف والعلوم». أما الأبيض فهو: «لون الصفاء، لون الثلج في أعلى درجات الطهارة والنقاء. لون حليب البقاء. لون راية الأنصار تؤازر رسول أمّة العرب».

وقف الفيلم طويلا عند الراية الهاشمية، وقال نصّه حولها: «منذ عمرو بن عبد مناف (هاشم الخبز) صاحب رحلتيّ الشتاء والصيف، مرورا بقُصَيّ بن كِلاب باني مجد هاشم القُرشية، وحتى يومنا هذا، وصولا إلى لحظة أن سلّمها عبد الله الثاني بن الحسين في العام 2015، للقوات المسلحة الأردنية، رمزا وفخرا، حافظت الراية الهاشميّة على مكانتها الرفيعة، وعلى تحليقها العالي برّا وجوّا وبحرا. رايةٌ هاشميةٌ كريمةٌ لا تبدأ العِداء، لكنها نار على المعتدي.. شرر وزئير وجمر».

ولراية الثورة العربية الكبرى من نصوص الفيلم نصيب: «خفّاقَةٌ يا راية الثورة العربية الكبرى بالمعالي والمعاني، حملكِ من وضعوا نصب أعينهم ردّ المظالم وتحقيق الأماني، ترفرفينَ في أرضِ الحِجاز، فيهتف باسمكِ أبطالُ الزّمانِ وأسيادُ المكانِ».

وأمّا راية الرايات: راية المملكة الأردنية الهاشمية، فقد قال الفيلم فيها أحسن ما يكون القول، وترك العلم يرفرف على امتداد شاشة الفيلم ومرئية الوفاء فيه: «راية المملكة الأردنية الهاشمية هي راية الرايات الهاشمية جميعها. تمسّكت، بعدما تعلّمت الدرسَ من رايات الهواشم في سوريا والعراق، بحصون الصمود، وَتَلا الحَمَلةُ تحتَ لوائِها أبجديةَ البَقاء. حافظتْ على قسمِ الشريف الهاشميّ، صانت المجد، وحتى يومنا هذا، ما يزال أزيزُ الرصاصة الأولى، يدوّي في روابيها».

علم جلالة الملك تجلّى بوصفِه ختامَ مسكِ الفيلم: «في القلبِ منكَ علمُنا.. في قلبِ علمِنا تاج.. هبَّ أجدادُكَ فانطوتْ تحتَ أقدامِهم فيافي البِيد.. هاج الثّرى.. هاجَ وماج. يا ملحَ الأرضِ ذُبْتَ فِينا.. فَصِرْنا الهاشميين، وصار الهاشميون نَواصينا. جموحُ الخيلِ يلحقنا فلا يسبقنا.. فنحن في سياجِنا حواليك أصلُ الجُموح.. وأنت مليك القلوب باني الصروح. ذو الفقار ينادي والصمصام عنه غيرَ بعيد.. فما من سيفٍ أرشدُ من مهنّدِ الهاشميين.. وما من حقٍّ يضيعُ وفي قلوبكم، مثلما بين زنودكم بُراقُ الحزْمِ العطوفِ.. فطوفي، حيثُ شئتِ، يا دالية المجدِ طوفي.. مآلك ها هُنا في بيتِنا الأردنيِّ الهاشميِّ داني القطوفِ».

* حكايات النهضة

الجهد التصويريّ الأوضح تجلّى في فيلم «حكواتي المئوية»، والحكايات العشر التي احتواها الفيلم قدمتها طالبات فُزْنَ في مسابقة إلقاء وأداء نظمتها وزارة التربية والتعليم، من خلال مديرياتها، خصيصا للفيلم.

تصويرٌ ميدانيٌّ بقيادة المخرج باسم عوض شمل العقبة ومعان وأم قيس والقطرانة والجيزة والسلط إضافة للعاصمة عمّان.

الطالبات بأزيائهن التراثية المنقوشة بقمح الأرض وعطاء الأمهات، سردنَ على طريقة الحكواتي الحكاية منذ الرصاصة الأولى، ووصلن مع الملك المؤسس إلى العقبة ومنها إلى معان، ثم تابعنَ رحلة الألف ميل نحو عمّان مرورا بالقطرانة والجيزة. في عمّان حيث حطّت رحال أول حروف الحلم، تحركت الكاميرا داخل تفاصيل محطة الحجاز مطلع ماركا، والمدرج الروماني، وقلعة عمّان، وألقت تحية المرحبا على قصر رغدان. وصلت كاميرا عوض متحف السلط (بيت أبو جابر) ومدرستها العتيدة العريقة، ولم تنس المؤتمر الوطني في أم قيس، الذي شهد البيعة الأولى للأمير/ الملك عبد الله الأول.

في الحكاية الأولى تقول الحكواتية: «هُنا بِحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، في ساحة عمّتنا النخلة، نزل يا سادة يا كرام الأميرُ الهاشميّ ملبيًا نداء الوطنيين الذين طلبوا العون من شريف العرب الحسين بن علي. وكان يا ما كان أن استقبل الرجال النجلَ المصطفى لنا من بين أبناء الشريف، اصطفّوا، على الجانبين هاتفين (شد الحرايب يا لشريف/ لا يرتخي مسمارها).

هُنا، صلّوا على طه الرسول، توافد الناس، جاءوا من حي الفناطسة وزقاق الرواد وحي التحاتا والسوق القديم ومزار أبو جديع ومن حول سور شبيب وعلالي الحاج طايع وبوابير الطحين وشارع القناطر وسوق البدو. حملوا الماء من عين أبو سويلم يسقون من حملوا لواء البناء».

عصر النهضة الذي يتولى جلالة الملك عبد الله الثاني قيادة عناوينه، حظي بمساحة لافتة في الفيلم الذي يعكس رغبة وزارة التربية والتعليم، بالتفاعل البنّاء مع محيطها وتطلعات بلدها. ولهذا العصر صدحت الحكواتية الطالبة التي أظهرت براعة وقوة حضور، قائلة: «قشعريرةٌ عميقةٌ تسري في عروقي يا أحبتي، كلما شاهدتُ عبر شاشاتنا الوطنية، لحظةَ وصول جلالة الملك عبد الله الثاني في السابع من شباط 1999، قبَّةَ مجلس الأمة، بملابِسه المارشالية المهيبة، ثم توقّفه فجأة، منتصبَ القامة أمام صورة والده الحسين طيب الله ثراه، مؤدّيا التحيةَ العسكريةَ الملكيةَ النابضةَ بالحُبِّ من جِهَة، والاحترام والتراتبيّة والوفاء من جهةٍ ثانية».

وفي مسك الختام تقول الحكاية التي كتب نصّها الزميل محمد جميل خضر: «كالفرحِ المقيم، نشر عبد الله يا أحبتي التعليم. كالفخار التفت إلى القدس والإعمار. كمراتع الجِنان أطلق رسالة عمّان. كالميجنا صار يحرص على ما علينا وما لَنا. معاندا منزلقات الحيرة، واصل عبد الله الثاني المسيرة. مثل سوسنةٍ من بهاء، واجه عبد الله الوباء، ولا مرّة ارتدى نظارة سوداء، فهو عَبَقُ التفاؤل، عدوُّ التَواكل، ربيبُ قصرِ التكامُل. هو يا أحبتي قائدُ عصرِ النَّهضَة، إن وقفتْ كلُّ الأرضِ ضدَّنا يحاربُ الأرضَ، لا يرضى إنْ لمْ نرضَ. لا ينام، إن تعثَّرتْ في فيافي الأردنِّ فَراشةٌ، أو تعسّر ماءُ الفَيْضِ في غَيْثِ غَمام».

في حديث مع «الرأي» قال د. عبد السلام الشنّاق مدير إدارة النشاطات التربوية في الوزارة والمشرف العام على إنتاج الفيلمين، إن نشاطات الوزارة لن تتوقّف عند «حكواتي المئوية» و"الرايات»، وأنها تعمل على مشاركة فاعلة باحتفالات المملكة بمئوية الدولة الأردنية، وأن إلقاء الضوء، عبر فيلم وثائقي، على المنجز التربويّ والتعليميّ خلال مائة عام ماضية، من الأفكار التي يجري تداولها.

الشنّاق أكد، في سياق متصل، حرص الهاشميين الجذريّ منذ الملك المؤسس على النهوض بالتعليم المحاط بقيمٍ تربويةٍ وطنيةٍ قوميةٍ سامقة. وأضاف أن الوزارة ستواصل صقل شخصية الطالب من النواحي النفسية والاجتماعية والثقافية والتربوية «منفتحين على أطياف المجتمع ومؤسساته ومحيطه الإبداعيّ من كتّاب وموسيقيين وفنانين واستوديوهات وجهات متخصصة بحقول الميديا وما إلى ذلك». وأضاف: «الفيلمان فتحا أمامنا أبوابا سنحرص على إبقائها مشرعة، في سياق تضافر جهود مثمر، وتعاون كفاءات بنّاء، خدمةً للصالح العام، وتحقيقًا لانفتاحٍ مدروس».