شهر مضى كان كافياً لأن يصل الجمهور الأردني ومثله العربي وأقل منهم الرأي العام العالمي، لحد الإشباع فيما يتعلق بأحداث الأسابيع المنصرمة، ورغم أن ظهور الملك في يوم الإحتفال بمئوية الدولة وخلفه العائلة كلها بأمرائها، فإن الأمور لم تعد مدعاة لاجترار قصص الغموض التي كان كتّاب الأدب البوليسي يحبون صناعتها لتظهر وكأنها من خلف أبواب القصور المغلقة، بل أن أخطر ما في القضية أن العديد من الأصوات المسموعة في الغرب، تركت الباب الرئيس للقضية وذهبت تبحث عن روايات العوام من النوافذ الخلفية، حتى وصل الأمر الى التشكيك بديمومة الأردن كبلد، وألصقت به كل الكبائر السياسية.

في العام 1956 قال رئيس وزراء العدو آنذاك ديفيد بن غوريون: الأردن بلد ليس له أي مستقبل وهو مصطنع، وبعد ذلك التاريخ بدأت ماكينة الإعلام الغربي تضخ ذات التقارير الوهمية عن أن ذلك الكيان الصغير شرق النهر لن يكون صالحا للبقاء، ولكن الأردن أطفأ شمعة المئة عام، وبن غوريون مات، وهذا بسبب ثقة القاعدة الشعبية بهيكل الدولة الرسمية على أساس احترام الأدوات والقواعد التاريخية للشعب الأردني الذي احتضن الجميع ولم يطرد شقيقا، ورغم وجود المعارضة التاريخية فإن القيادة الهاشمية لم تستمع للنصائح التي تحث على اقتلاع شأفة المعارضين، بل أكثر من ذلك فقد حملوا بعض المتآمرين الى قيادات الدولة ولم تسفك دماؤهم.

إن أي عواصف سياسية وتحالفات غير واضحة وتوزيع ابتسامات مريضة لمجرد الحفاظ على البروتوكولات ما بين الدول أو الأنظمة، لن يكون لها أي معنى أو مصداقية إن لم تكن من منطلق الدفاع عن كينونة هذا الوطن الأردني الكبير بشعبه، والذي أسلم لقدر الله بأن يكون خط الدفاع الأول أمام الكيان الذي يقوده متطرف سياسي بقانون القوة، وهذا ما يثير الكثير من التشكيك لدى الحلف المعادي أكان إسرائيليا أو دوائر غربية تحب روايات الغرام والإنتقام لدعم رؤية إسرائيل نحومئويتها الثانية هي الأخرى، ومع ذلك فإن مثل هذه التقارير يجب أن تؤشر لنا على مواطن الخطأ والصواب، ومعرفة تفكير الآخر وغاياته وتدفع بالمسؤولين للدفاع خارجيا.

«فورين بوليسي» وعلى أهميتها الاستطلاعية و تحليلاتها فيما يتعلق بسياسات الدول، فإنها تميل لإشباع رغبة الجمهور لسماع ما يطربهم ولا يعالج مرضهم الحقيقي، وهذا من مفارقات الإعلام زمن الأزمات، فهو يذكرك بثغرات النظام لتلافيها، ومثل هذه المجلة الهامة هناك عدد من الصحف الأميركية تحديدا قد انشغلت بتأجيج القضية الأردنية كالعادة مع القضايا العربية، ثم استدارت لأنها اكتشفت عدم موثوقية بعض المعلومات والمصادرالشخصية، وهذا ما يستوجب أن يكون إعلام الدولة والناطقون بلغة الحكومة الأردنية على قدرعال من الإطلاع ومواكبة ما قد ينشر خارجيا للرد على أي معلومات أو إفتراءات قد تؤسس لحقائق غير موجودة، وهذه مهمة السفراء بالمناسبة.

إن ما يسوؤنا هو أن ندخل المئوية الثانية ونحن لا نزال ندافع عن كينونة هذا البلد ونخشى على استقراره، فمجرد تشبيه الأردن الذي كان بطلا تاريخيا بجمهورية الموز لأن شخصا قرر هذا الوصف بناء على مشكلة سياسية تحصل في كل البلاد، فإنه ظلم كبير نتحمل جميعنا مسؤوليته، فكم حمل هذا النظام السياسي على ظهره من المسؤولين والأعيان والوزراء والرؤساء والقادة وجحافل من حملة الرتب عبر خمسين عاما على الأقل، ثم لا نجد واحدا يستطيع أن يفسر لنا غير ما نعرفه، لقد ذكرت في مقالة سابقة أن الأردن ليس جمهورية موز، ولكنه اليوم في نظر «الأعدقاء «بات صندوقا من الموز قد يأكلونه ثم لا يشكرون.

Royal430@hotmail.com