سقطت الأقنعة، فعبرة من بردى التاريخ، وعودة للماضي القريب، وتلخيص للأحداث والمستجدات، ومراجعة دقيقة للمستجدات والتغيرات التي فُرضت بأمر القوة والواقع، بعد خطط استعمارية متجددة، ومنذ سنوات الربع الأخير من القرن الماضي، كان هناك هبَّات وشذرات بين الفينة والأخرى، وتوقعات للعديد من الخبراء وأصحاب بوصلة الرأي العام والعالم، بوجود فرصة لحدوث حرب عالمية مختلفة الأهداف والشكل والمعنى والنتائج، ليولد هاجس يغلف الأحاديث والمجالس والصالونات السياسية، بعزف سيمفونية متجددة لإعادة تقسيم خريطة العالم والسيطرة على ثروات الدول بمسميات استعمارية واحتكارية جديدة، توقد بدماء الشعوب المتعثرة التي تنتظر مصيرها المرهون بالتجارب والحماية، وتنسج خيوطها بصراعات محلية ذات أصباغ مختلفة بين عرقية ودينية، وربما السبب المستتر وغير المعلن، الجشع الذي أتخم قلوب وعقول قادة أصحاب القرار، بأن مساحة العالم قد اصبحت ضيقة على سكانها، ممزوجا بارتفاع غير مبرر لسقف الطمع والجشع، ولا بد من التفكير بطريقة يُتَفَقُ على بنودها بين الكبار، لتوزيع يضمن لهم تحقيق مآربهم وتُنَفَذُ واقعيا على حساب الشعوب التي تصارع للبقاء لأنها بعيدة عن سلم الحضارة، وغير قادرة أو مؤهلة لعضوية نادي صناعة القرار أو حتى استقلالها الذاتي بمعناه الحرفي، فصور الاستعمار وأشكاله متعددة، وأفشل أنواع الاستعمار هو الاستعمار العسكري الذي يقوي انتماء الشعوب ووطنيتها.

ربما التحليلات التي انتهت لهذه النتيجة، قد شكلت ضربا من ضروب الجنون بالطرح والتسويق، أو أنها طروحات قيد الاختبار لجس النبض وردود الفعل، تمهيدا لإختيار الزمان والمكان، والوسيلة الأضمن لتوزيع الغنائم بين الفرقاء، ويقيني، بأن قراءة دقيقة للسطور والكلمات بمعناها الأمثل لتوظيفها، لم يحتج لعبقري أو منجم، فالشرق الأوسط والأدنى مبني على الحروب والخيانة والصراعات ذات التكلفة البشرية الرخيصة بما تحمله من قتل وديكتاتورية وإذعان، فبدأت الحرب العراقية الإيرانية وانتهت بدمار وخسارة دون انتصار، لتكتمل فصولها بخطة كيسنجرية رُسِمت على الورق ودُرِست لتنفذ بمراحل، بضرورة إضعاف الدول العربية ومحيطها، وهي ضرورة البدء بتفكيك العراق كخطوة أولى؛ القوة العربية الواعدة والمنافسة، فكان الإحتلال الأميركي والغربي للعراق ببداية هذا القرن، مؤامرة خارجية وتخاذل وخيانة عربية وداخلية، خدمت بأكثر من بُعْد؛ السيطرة على منابع البترول والثروة، إرهاب دول الخليج لطلب الحماية، إيجاد أسواق مناسبة وحقيقية لتجربة جيل جديد من الأسلحة الفتاكة، القضاء على البطالة وزيادة رفاهية واقتصاد الدول المصنعة، توفير غطاء مستتر لهمينة اسرائيلية في المنطقة، ورعاية موحدة لفرقاء الإرهاب، بإغراء بعض الدول المحيطة بغنائم سياسة التطبيع، لفتح مجالات إعادة الإعمار لشركات الدول المنتصرة، وهي رسالة وطلق تهديد لإذعان مطلق بدون قيود، وقبل إن تلتحم الجروح ووسط الإنقسام العربي المطلق، غير المبني على أسس أو مصالح أو أهداف، أصبحت الظروف الإقليمية مهيئة للخطوة الاستعمارية التالية، فاندلعت شرارات ما سُمي بثورات الربيع العربي، لأسباب (نتحفظ على ظاهرها ونعلم حقيقتها) ونتائج كارثية، أعادت قطارنا لسنوات الجاهلية، ونثرت غبارنا بأعيننا، فحال الأمة اليوم هو الأسوأ، والأمل بالقادم محفوف بالخوف، ونحن نعول الأمل على نواة الحلف الثلاثي العربي؛ الأردن ومصر والعراق، الذي بدأت ملامح ولادته وللحديث بقية.