باشر مدعي عام محكمة أمن الدولة إجراءات التحقيق الجزائية مع المتهمين في القضية التي أصبحت تعرف اليوم بقضية «الفتنة»، والتي يتورط بها مجموعة من الأشخاص من ضمنهم أحد الوزراء السابقين. وقد فتح هذا الإجراء باب التكهنات حول دستورية البدء في محاكمة وزير سابق دون الحصول على موافقة مجلس النواب، حيث تشترط المادة (56) من الدستور أن يصدر قرار إحالة من مجلس النواب إلى النيابة العامة، وذلك لغايات تحريك مسؤولية الوزراء الجزائية.

إن المشرع الدستوري قد خصّ الوزراء في السلطة التنفيذية بإجراءات خاصة فيما يتعلق بمسؤوليتهم الجنائية، وأن هذه الإجراءات يتسع نطاق تطبيقها لتشمل الوزراء العاملين والسابقين. وهذا ما أكد عليه المجلس العالي لتفسير الدستور في قراره التفسيري رقم (1) لسنة 1990 الذي اعتبر فيه أن كلمة «الوزير» لغايات المسؤولية الجزائية تمتد لتشمل إلى جانب الوزير العامل الوزير غير العامل «المستقيل». فكل وزير عامل أو سابق يجب أن يصدر بحقه قرار إحالة من مجلس النواب قبل البدء بمحاكمته جزائيا.

إلا أن الدور الذي قرره المشرع الدستوري لمجلس النواب في محاكمة الوزراء يقتصر فقط على الجرائم التي تكون ناتجة عن تأدية الوزراء لوظائفهم الحكومية. فالدستور الأردني قد ميز في مجال مسؤولية الوزراء الجنائية بين الجرائم التي يرتكبها الوزير وتكون متعلقة بوظيفته والتي لا بد وأن يصدر قرار إحالة عن مجلس النواب لغايات ملاحقته عنها، وبين الجرائم التي يرتكبها الوزير ولا تكون متعلقة بعمله الوزاري وتقع بعد تركه المنصب الحكومي. فهذه الجرائم يلاحق عنها الوزراء العاملون والسابقون كأي مواطن عادي، دون أن يكون هناك أي دور لمجلس النواب في عملية الإحالة إلى النيابة العامة.

إن الجرائم التي يشترط لملاحقة الوزير جزائيا عليها صدور قرار إحالة عن مجلس النواب، قد وردت على سبيل الحصر في المادة (2) من قانون محاكمة الوزراء رقم (35) لسنة 1952 وتعديلاته، لتشمل جريمة الخيانة العظمى، وإساءة استعمال السلطة، والاخلال بواجب الوظيفة. يضاف إليها الجرائم الواقعة على الإدارة العامة كما وردت في قانون العقوبات الأردني.

وبالعودة إلى الوصف الجرمي للأفعال التي سيلاحق عليها الوزير السابق في قضية «الفتنة» كما يمكن استخلاصها من الوقائع العامة التي جاءت في التصريحات الحكومية الرسمية، فإنها تتمحور حول قيامه بأفعال من شأنها محاولة زعزعة الأمن والاستقرار في الأردن. فهذه الأعمال ليست متعلقة بالمهام والمسؤوليات التي كانت مناطة به أثناء توليه المناصب الحكومية، كما أنه قد قام بارتكابها بعد سنوات طوال من تركه الوظيفة الوزارية وأثناء توليه منصبا وظيفيا آخر خارج الدولة الأردنية.

إن جريمة الخيانة العظمى لغايات اعتبارها من الجرائم التي تستلزم صدور قرار إحالة عن مجلس النواب قد اشترط قانون محاكمة الوزراء أن يرتكبها الوزير أثناء وظيفته و/أو تكون ناتجة عن تأدية مهام عمله، وهو الأمر غير المتحقق في حق الوزير السابق. بالتالي، يكون تحريك دعوى الحق العام في مواجهته من المرجع القضائي المختص دون العودة إلى مجلس النواب واستصدار قرار إحالة، إجراء متوافق تماما مع أحكام الدستور.

laith@lawyer.com