عمان - فاتن الكوري

قال الأديب مفلح العدوان إنه يعكف على كتابة مسرحية كان قد بدأ بالتخطيط لها قبل أشهر، ويعمل على بعض فصولها بهدوء كلما أتيح له الوقت خلال شهر رمضان.

وأكد العدوان إيمانه بأن الجمهور يمثل روح الفعالية الثقافية والفنية، متحدثا هنا بخصوصية عن المسرح وعن القراءات الشعرية والندوات الأدبية. ومضيفا أن جائحة كورونا تمثل ظرفا اضطراريا دعانا للّجوء للفعاليات الافتراضية، وربما كان هذا أقرب الحلول المتاحة، لكنه لا يغني عن اللقاء والتفاعل بين المشاركين والجمهور.

الرأي التقت العدوان في الحوار التالي:

* برأيك، ما مدى تأثّر الطقوس العائلية والاجتماعية خلال الشهر الفضيل بالتدابير الحكومية للحدّ من انتشار الجائحة (والتي من أبرزها حظر التجول)؟ وكيف تتعامل مع هذه المسألة؟

- هذا ظرف استثنائي لهذا العام، وكذلك كان في العام الماضي، وبالنسبة للطقوس العائلية والاجتماعية، فهي تتحمل أن نُوائمها مع الظرف العام، وبالنسبة للمنشغل بالعمل الإبداعي والقراءة والكتابة، فأعتقد أن الحيز الاجتماعي في الظرف العادي يتم اختصاره لمصلحة هذه الانشغالات المحددة، وأحيانا تؤثر عليها سلبيا كثافة التواصل الاجتماعي الفائض عن الحاجة في أحيان كثيرة.

ولعل من إيجابيات جائحة كورونا، تحديد العلاقات الاجتماعية ضمن سقف الصدق والأريحية والأولويات. كنا كثيرا ما ننتقد بعض المظاهر الاجتماعية المبالغ فيها (في رمضان وفي سياق الأشهر الأخرى)، لكننا نتوقف عند حد النقد، وهذه الجائحة أعطتنا فرصة لنتجاوز النقد النظري إلى تطبيق عملي لنوع من التغيير على ما هو سائد وروتيني ومبالغ فيه.

* هل تضع برنامجاً محدداً للقراءة في الشهر الفضيل، أم إن الأمر متروك للصدفة؟ وما نوع الكتب التي تقرؤها أو تفضّل قراءتها خلاله، مع أمثلة عليها؟

- بالتأكيد هناك برنامج مختلف لشهر رمضان، خاصة القراءة التي تكون مساحتها في ساعات اليوم أكثر، وأنا أستمتع في روزنامة رمضان الثقافية بالنسبة لي من قراءة وكتابة ومشاهدة للدراما التلفزيونية والسينما. هذا شهر فيه زخم، وبرنامج مكتظ بالقراءة، وأنا بطبيعة الحال أقرأ في الأسطورة والأديان والأدب والمذكرات والسير الذاتية، وأحيانا أقرأ أكثر من كتاب في الوقت نفسه.

هذه الأيام أعيد قراءة كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار، ومنشغل برواية صينية ضخمة ومهمة هي «بجعات برية» للروائي الصيني يونغ تشانغ، وهي تجمع حميمية المذكرات وملحمية الرواية من خلال قصة ثلاث نساء. وتجعلنا الرواية نوغل في جانب من تاريخ الصين في الفترة 1909-1978.

* هل تواصل مشاريعك الإبداعية في شهر رمضان، أم تنقطع عنها لخصوصيةِ هذا الشهر؟ وما آخر المشاريع التي اشتغلت/ تشتغل عليها؟

- هناك جزء من مشاريعي الثقافية في رمضان يحكمه برنامج مسابقات تلفزيوني أعده وأكتب المادة العلمية البحثية له هو برنامج «عيش الأردن»، وهو يركز على تاريخ الأردن والثقافة الوطنية، وهذا يحتاج إلى قراءة وبحث مكثف في مجال المكان الأردني والثقافة المجتمعية وتاريخ الأردن بكل مراحله قديما وحديثا، هذا يأخذ جزءا كبيرا من مساحة اليوم في شهر رمضان. أما على الصعيد الكتابة الإبداعية، فهناك مشروع كتابة مسرحية كنت قد بدأت بالتخطيط لها قبل أشهر، وأعمل على بعض فصولها بهدوء كلما أتيح لي الوقت خلال شهر رمضان.

* هل ترى أن إقامة الفعاليات الثقافية والفنية افتراضياً وعن بعد، يمكنه أن يغْني عن الصيغة التقليدية لإقامة الفعاليات التي يكون فيها المشاركون والجمهور وجهاً لوجه، وفي مساحة واقعية محددة؟

- لكون اهتمامي بالمسرح جزءا من شغفي الإبداعي، ومعه بالتأكيد أشير إلى الإبداعات الأخرى، أؤمن بأن الجمهور هو روح الفعالية الثقافية والفنية، وأتحدث هنا بخصوصية عن المسرح وعن القراءات الشعرية والندوات الأدبية. هذا ظرف اضطراري دعانا للّجوء للفعاليات الافتراضية، ربما كان أقرب الحلول المتاحة، ولكنه لا يغني بأيّ حال من الأحوال عن اللقاء والتفاعل بين المشاركين والجمهور، هناك جانب روحي وجانب طقسي، والأهم من هذا أن الجمهور عنصر أساسي من الفعل الثقافي بالتفاعل المباشر.

* هل تعتقد أن الإيقاع المستجِدّ للحياة اليومية في ظل الجائحة سيستمر طويلاً؟ وهل واءمتَ ظروفَك لمواكبة هذا التحوّل؛ على صعيد العمل والحياة العائلية وممارسة الهوايات.. إلخ؟

- المبدع ابن الحياة، ومعها، وطاقته الإبداعية والروحية والفكرية تؤهله لتشكيل أصعب الظروف ليوائمها كي يستمر في تفاعله الإيجابي مع الحياة على جميع الصعد. هذا الإيقاع المستجد بفعل الجائحة، وهي ظرف طارئ ليس كله إيقاعا سلبيا، بعضه يتواءم مع سياقات كنت ألجأ لها حتى قبل هذا الظرف بحثا عن نوع من السكينة والهدوء والعزلة الإيجابية. كل شخص له نظام حياة وإيقاع يومي يريد أن يحافظ عليه، ولكن هذا لا يعني التطرف بهذا الاتجاه، فمتغيرات الحياة تفرض أن تكون المواءمة وتطوير السلوكيات وتهذيب نمط الحياة جزءا من وظيفة المبدع ليكون فاعلا على المستوى الشخصي والمستوى المجتمعي والإنساني.

* إلى أيّ مدى ساهمت الجائحة في منحك فرصة للتأمُّل، ومراجعة الذات، وإعادة ترتيب أوراقك في علاقتك مع نفسك ومع الآخرين عموماً؟

- الأزمات تهذب الذات، تفعّل أدواتُ الاستشعار الداخلية هذه المجسات النفسية والروحية، لتكون هناك مساحة مريحة للتأمل لإعادة قراءة المحيط، واكتشاف الوجوه، وسبر أغوار الذات والآخرين أيضا، لأن ماكينة الحياة وزخمها وإيقاعها، في الظرف العادي الروتيني، قبل الجائحة، جعل هناك نوعا من التراكم والغبار وضبابية الرؤية، لكثرة تعود الأشياء.

من إيجابيات الجائحة وفضائلها، هي حالة التأمل هذه، وإعادة اكتشاف الأشياء، ومعها ترتيب أولويات العلاقة مع الذات ومع الآخرين.. فرب ضارة نافعة.. ربما نكون تأذّينا من الجاحة في جانب معين، ولكن هناك جوانب أخرى ما كنا نلتفت لها لولا مرورنا بهذا الظرف الاستثنائي.

* إذا افترضنا أن قرار رفع الحظر الجزئي والكلي سيُتَّخَذ قريباً؛ ما أول شيء ستفعله للتحرر من ثِقَل القيود التي فرضها الحظر؟

- أنا محب وعاشق للسفر كثيرا، ربما هذا الجانب أحسست بفقده خلال فترة الجائحة، كما أنني أحب المشاركة في التظاهرات والفعاليات الإبداعية والمسرحية بشكل مباشر، وهذا ما أفتقده أيضا. ولكن إذا رُفع الحظر بشكل ما لن أتحرر من كل القيود التي فرضتها الجائحة، فبعضها سياقات أحبها، وهي من إيجابيات الجائحة، سأحرص عليها، وفيها جوانب كثيرة لها علاقة بالثقافة المجتمعية وبعض العادات والسلوكيات التي هذّبتها الجائحة فينا وفي المجتمع.