د. شفيق طه النوباني

(كاتب أردني مقيم في سلطنة عُمان)

"ليس المكان أكثر من زمان. أنا لا أتفلسف يا عزيزتي". صمتَ برهة وأنزل النظارة عن عينيه دون أن يحاول إبراز أي ملمح استعراضي. حتى ذلك المصطلح الذي خرج به الفلاسفة: (الزمكان)، يبدو مصطلحا باهتا أمام حقيقة الزمان وسطوته. ماذا يبقى من أي مكان نتركه غير إحساسنا القاصم بالفقد، ليصبح المكان إحساسا زمانيا محضا راعشا حتى آخر خيط من خيوط الروح. نحن كائنات زمانية بامتياز.

"أتذكرين وقفتنا على حافة المنحدر، أثارت وقفتنا خوفا ما فينا. كانت شفتاك ترتعشان أمام الرياح العاصفة، لم تقفي على الحافة، وتقدمت أنا أكثر نحوها، لم تبدي مشاعر عميقة بالخوف عليّ، قلتِ: لا تقترب أكثر منها... أنتَ على الحافة، وشعرتُ أنكِ ترغبين في أعماقك بانزلاقي إلى الأسفل، وشعرتُ لوهلة أن بإمكاني الطيران. لو أنني طرتُ لَتحوّل المكان بكل هيبته إلى لحظة دخانية غائمة؛ لَتحوّلَ تاريخي الشخصي إلى زمن فائض يجمع كل فضاء العين ليتكور على لحظة النهاية. هل أدركتِ الآن كيف يتحول المكان إلى زمان؟ حتى أعظم الأمكنة؛ (سمحان)؛ يتحول بكل عظمته إلى لحظة فيض ترود في آخر الروح.

على الرغم من أنه لا يبدي كثيرا من التسامح في مستهل صعودك إليه، يبدو بعد ذلك متمهلا في تصاعده، إذ تقطع العديدَ من الكيلومترات بتصاعُد متدرج لا يشعرك بأنك مقبل على الوصول إلى أعلى قمة في سلسلة جبال ظفار، وفور رؤيتك قمة الجبل في طريق الصعود يبدأ المكان بالنيل من مقصدك الاستطلاعي لتصبح تحت سطوته. على مدى الطريق كان رذاذ الخريف يغسل زجاج السيارة، وكان الضباب يجبرك على التروي في المسير، أما قطعان البقر فقد كانت توقفك بين الفينة والأخرى، ولطالما كانت تتأمل وجوه القادمين وتحاورهم: أتحب المكان مثلنا.. ولكَم كانت عيون الناس تجيب بلا اكتراث بإطلاق صفير السيارة لإبعادها عن الطريق.

منذ أن ترك الإنسان الطبيعة تحول إلى كائن زماني؛ في ذلك الحين الذي سرق فيه بروميثيوس النار ليعطيها له ارتكب خطيئة استحق عليها العقاب الذي ناله؛ لا يا عزيزتي؛ أنا لست تواقا للموت، ولست محاربا للإبداع، لكن الإحساس بالخوف من إلهة البرق إحساس راعش دافئ أجمل من الإحساس بالخوف من الطائرات المجنونة التي تهوي بقنابلها على الأطفال. ألم نكن أكثر اندماجا بالمكان وجماله ومثيراته المخيفة حين كنا أبناء الكهف.

قطعان البقر في جبل سمحان لن تعطيك أي اهتمام، ستوقف سيارتك في وسط الشارع لتنتظر عبورها، وإذا ما أمعنت النظر فيها قد تطل عليك إحداهن في فعل استطلاع يستفسر عن ماهيتك. لن تفسح لك المجال بالعبور قبل أن تطلق صفير سيارتك؛ فإذا اقتربت أكثر من قمة الجبل ستلحظ الإبل التي لا تبدو أليفة بمقدار ألفة البقر، أما الطيور والحيوانات البرية كالنمر العربي فيحتاج الظفر برؤيتها إلى إقامة طويلة لا تتسنى لزائر عابر.

عند وصولك إلى القمة تستغرب أن الرذاذ والضباب كان يملأ العين على مدى الطريق؛ شمس ساطعة تنال من الجلد ليبدأ بالتقشر؛ فكأنك في زمن آخر يفرضه المكان. لا يا عزيزتي لم توقعيني في شباك الكلام؛ فأنا ما زلت مصمما على أننا كائنات زمانية، وما سطوة المكان هنا إلا زمان نعبره بلا تعلق؛ فإن شعرنا بشيء من هذا التعلق زال فور اندماجنا بمعطيات الزمان من جديد؛ ألم تتأملي كيف نتكور على لحظة الموت حتى التلاشي؟

قمة سمحان صخر أجرد منحه اللون البني مهابة خاصة، أما انحداره الصارخ فقد أضفى عليه معالم الوجه؛ لستَ أمام وجه إنساني حاد، بل إنك تقف على وجه جبل؛ جبل يقول لك إنه يتفوق على كل أزمنتك المتواضعة، يحجّم رحلتك الشخصية ورحلة الإنسانية المغامرة؛ كيف لم ينقرض الإنسان للآن؟ أما زال يحاول أن يصل إلى حلقات زحل؟ كيف وصلت الإنسانية إلى قناعة تصورت من خلالها أنها قادرة على التخييم في المريخ بينما تسعى في كل ساعة إلى خنق خيمتنا الأرضية الدافئة؟

أتذكرين (الدير) في البترا؟ لم أعجب بالخزنة أكثر مما أعجبت به. ولو قيض لي أن أمشي من جديد لمشيت حتى أصل إليه. يبدو الدير كأنه ثمرة حصل عليها فلاح بعد تعب طويل. أما ما بعد الدير فحافة الأرض؛ منحدر شاهق يبقى الواحد منا متوجسا لأيام بعد الوقوف على مقربة منه. في البترا يبدو الإنسان فنانا يحاول أن يعيد إنتاج الطبيعة بما لا يفقده صلة الرحم بها؛ هو إياها؛ هي إياه، فتبدو وجهه ويبدو وجهها يستمد عظمته منها، وتشعر بعظمتها من خلاله. أما الآن فهو يفتّت الطبيعة قبل إنتاجها؛ يتعامل معها كأنها نثار غبار تنتظر جبلها كيفما شاء، فيبدو كائنا متجبرا لا يرى أبعد من أرنبة أنفه.

أما سمحان فدرَج يصعد فوق الغيوم. حافة لا تثير التوجس فحسب، بل تثير فيك ارتباكا ممتدا؛ فلا تعلم إن كنت تحاول أن تحتوي المكان أم إن المكان يقبل على احتوائك كشيخ تعدى عمره مليون عام. تشعر أنك ترغب في معانقة السحاب الذي أمسى ممتدا أمام ناظريك، بل لعلك ترغب في معانقة الصخور العملاقة التي شكلت كتلة الجبل.

سمحان ليس مثل الجبال؛ جبل جمعَ مفاتن الصخر فأطل على الدنيا بوجه تملؤه حكمة الأرض التي تزهد بالبشر؛ هل جربت أن تمشي على حافة شعت؟ شعت قمة من قمم جبال ظفار المحاذية للبحر؛ إذا وقفت على حافة القمة ستجد موج البحر يلطم أخمص الجبل من ارتفاع كيلو متر ونصف، لن تتسامح معك شعت بأي شكل من الأشكال، فقمة الجبل مهوى يطل على البحر مباشرة، غير أن الغطاء النباتي الذي يغطيها منحها قدرا من الليونة لا تسمح به قمة سمحان التي بانت عن البحر بقدر يمنحها اتصالا أكبر بصلابة العبرة.

كنت أود أن أعانق سمحان أو (كزسآدين) كما يطلق عليه في اللغة المحلية في ظفار، أن أتحول إلى لبّ صخره الناشز، أن أصيح صيحته الصامتة الخالدة، أن أدور في ثناياه كما تفعل الرياح، أن أنصت إلى صمته الحكيم أكثر، غير أن الزمن لا يمنحنا الأماكن كما نريد؛ تقيم سطوته على أرواحنا فلا نتمكن من محاورة المكان كما ينبغي، فنتصاعد كدخان البخور حول المكان، تتلاشى كل معالم أرواحنا مع الزمن".

كانت تنظر إلى جثته وفي عينيها دمعة حائرة. كان يترك جثته لوهلة وينظر من النافذة. يتولى أحيانا تجهيز كأس شاي، ثم ينظر في عينيها الباردتين. لكنها أمعنت أكثر في جثته التي حملها الأقارب إلى المقبرة في حين أغرقت التفكير في زمان متجمد.