إنّ اجتياز المسافات عبر الزمن لا يعدّ إنجازًا بادئ الأمر، ولكننا إذا علمنا أنّ الإنسان بمفرده أو دولة بمفردها أو أمة بمفردها، استطاعت أن تجتاز المحيطات والبحار، وتمدّ جسور الثقة مع الآخر، وتبني الإنسان وتطوّر الذات، وتتتحلّى بعِظَم الهِمَّةِ، حينما تعى إلى سعادة الدُّنْيَا والحدّ من شقاوتها. حينها نعلم أننا نعبُر الجسر مثقلين بالإنجازات، لنصل الأمس باليوم ونعطي أمانةَ الإجداد إلى الأحفاد، ليواصلوا مسيرته متجهين إلى القمة دوما.

مئة عامٍ على إنشاء دولةٍ نفضت غبار الاستعمار، وأسست لمملكة على غرار طريق الملوك الذي يعرفه الأردنّ من جنوبه إلى شماله، فما زالت آثاره شاهدة على حضارة الأنباط وبصيرا وعَمَّان البلقاء وقلاع الكرك والشوك وعجلون ومضارب الجيزة وحوران الشمال ومواقع حطين وعين جالوت.

وفي مئوية مباركة نشهدها مع الملوك الهاشميين من آل البيت، فكانت البركات عليكم أهل البيت، فازدادت طهارة الأردنّ طهارة، واختصر الزمان نفسَه فكانت المئة عام كألف عام من الإنجازات.

وإذا سألت عن الأردنيّين فهم: أرقى إنجازٍ تحقق، فالرِّقَّةُ بالتأدب بعدم إلحاق الأَذَى بالْغَيْر جاء مختلطا مع تقديم المنفعة إلى الغير، في صفات لا يعرفها إلى الشجعان من بني قومي.

وما أَنْ هبَّتْ نسائمُ ذكرى المئوية، إلا والصورة التي تحكي لنا الماضي، إذْ بها تتحرك ويكأنها للتوّ التقطها مصوّر حاذق، فنسمعها سنابكَ خيلٍ راحت تشعلُ النُّورَ في بلادي، وأما سبّورة المعلّم فنشاهد إنتاجا علميًّا أكاديميًّا قلّ نظيره، وأما سياج الوطن الذي يزداد منَعة وقوّة فكانت أرواح الشهداء حاضرةً «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (سورة: آل عمران:169). الذين قضوْا لأجلِ رفعة الوطن، فبهم بدأ السلام الملكيّ، وبهم بدأ الاحتفال لأنهم?هم الذين بدأوا مسيرةً روَّوْها بدمائهم الطاهرة.

هنا الأردنّ.. مئة عامٍ قضيناها معًا، نحلم مع كلّ ليلة لنحقق أحلامَنا مع إشراقة الصباح، سطرتها ذكريات طابور المدرسة، وصيحات الأسود في طابور ميدان الجيش المصطفويّ، الحاضر على امتداد مئة عامٍ بكلّ أوسمة الشـرف التي عرفتها البشـرية في ميادين اللقاء، فما بين تضحيات وانتصارات، وصمام أمان على امتداد رقعة الوطن، واحتضانٍ للقدس والمقدسات وللأقـصى وباب الواد واللطرون، والاكتحال بيوم الكرامة، ليبقى عامودًا يشهد له التاريخ كأعمدة البترا وجرش التي تذكرنا بأمجاد الجذور.

هنا الأردنّ.. مئويةٌ تحكي لنا قصةً تَتَجدَّد فُصولُها، وتنتعش بالتضحيات عروقها، وتسمو بالسمعة الطيبة نفوسها، كيف لا؟ وقيادتنا رشيدة حكيمة، والشعب أبيٌّ يأبى على نفسه إلا أن يقدم استطاعتَه لأجل أن تستمرّ المسيرة، فينبض بالحبّ والمودة لأمته العربية ولأمته الإسلامية، وللإنسانية.. فكلّهم اليوم اجتمعت رسائلهم يهنئون الأردنّ بإطلالة مئوية ثانية بعد سجلّ لإنجازات مضت وبقيت محاسنها.

فتعالوا بنا ننهض نعانق الأيام بهمَّة العمل، ورحابة الأمل، نصافح مئوية.. فتصافح نفسَها الأمجادُ، لنصنع جسرًا نخترق به الزمن، ونسارع إلى العلياء جهدَنا، مستعينين بربّنا، مسترشدين بمبادئ عِشنا عليها فاختلطت مع الزيتون والدحنون، وبها نحن متقاربون في ظلال وطن يجمعنا، لنسير على درب الْحَسَنَات والإنجازات التي بها نفخر ونفاخر.

فمبارك للقائد وللأردنيين مئويةً تملأ عيونَنا فرحًا وأملا بمستقبل واعد.

agaweed1966@gmail.com