الدكتور عامر أحمد العورتاني 

مرة أخرى يحلّ شهر رمضان في ظلال الجائحة، لكنّ هلاله لهذا العام يأتي وقد تمكّن الفيروس من التفشي، واختراق كلّ الجهود التي تصدت له منذ البداية، فتصاعدت أرقام الإصابات.

وحيث تمكن الكثيرون من الانتصار على المرض، فإنّ آخرين من الأحباب والأصدقاء لم يتمكنوا من الصمود أمام هجمات الفيروس، ولن يكونوا جزءاً من رمضان لهذا العام، ولا شك أن قرابة العامين من تفشي الكوفيد – 19 ، وممارسة قواعد التباعد المكاني والجسدي، وارتداء الكمامات، تكفلت بتغيير الكثير من العادات والسلوكيات اليومية، وأوجدت مكانها الكثير من البدائل، إلّا أنّ رمضان بقي كما هو بكلّ ما يتمتع به من سموّ روحي، وخصوصية على بقيّة العبادات، وما زالت ذات التساؤلات التي طُرحت في رمضان الماضي تُطرح هذا العام حيث تتكرر ذات إجراء?ت وتدابير المواجهة مع الفيروس المستجد، فهل ستزدحم الأسواق قبل ساعات الحظر؟ وكيف سيمضي رمضان دون تبادل دعوات الإفطار، وزيارات للرحم؟ وما المعنى من صلاة التراويح دون جماعة في المساجد؟، وكيف ستكون نكهة الليل في الشهر الفضيل دون تجمعات وسهر؟ والواقع أنّ هذه التساؤلات وإن كانت تلامس بعض ملامح جوهر شهر رمضان، إلّا أن المعنى الحقيقي الكامن في فريضة الصوم بقي معافى دون شك ولم تنل منه شراسة الفيروس القاتل وتحوّراته، وإنّ كل ما أثير حوله السؤال ما هو إلاّ جدل حول مظاهر طقوسية خلّفها الموروث الإجتماعي عبر مراحل زمنيه?شكلها نسيج من الثقافات المختلفة، لتترسخ في العقل الجمعيّ على أنها لبّ العبادة وغايتها.

ولا شك أنّ ما عايشته البشرية خلال تجربة الوباء التي ما زالت ماثلة في تقلباتها وتداعياتها تعتبر تجربة جديدة للأجيال المعاصرة، لكنها بالتأكيد ليست التجربة الأولى ففي العام 1918 خلال وباء الإنفلونزا الإسبانية، ارتدى الأفراد الكمامات، ومارسوا كلّ ما هو معروف من أساليب الوقاية، حتى أنّ التعليم كان يتمّ عبر محطات الراديو بسبب إغلاق المدارس، وانتهى الوباء، وصار مجرد مرض بسيط يمكن مقاومته ببعض المضادات الحيوية، وهذا ما سيحصل بإذن الله، فالكورونا مصيرها إلى زوال، وستعود الحياة العزف بتناغم من جديد مع إيقاعات النشاط?ت الإنسانية، لكنّ الأهم يتركز في تلك المواجهة الحقيقية التي وضعتنا فيها تلك التجربة مع ذواتنا، ومع الطريقة التي اعتدنا من خلالها التفاعل مع معطيات كلّ ما هو حولنا، ولم يكن رمضان في عامي الجائحة بمنأى عن تلك المواجهة التي يفترض أننا أصبحنا خبراء بكلّ تفصيلاتها، وأساليب الانتقال والتجاوز بين منحنيات تحدياتها، فبالرغم من الكثير من التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، إلّا أنّ تلاحق الأحداث لم ينل من ثوابت شهر رمضان، وما يرتبط به من عادات اجتماعية راسخة، لكنّ وباء الكورونا وبكلّ ما جلبه معه من قدرة ?لى تغيير أدق التفاصيل، نجح في العبث ببعض ملامح الشهر الكريم، مُستبعداً الكثير من ثوابته الاجتماعية بشكل لم يعهده الجيل الحالي ولا من سبقه من الأجيال، فقد ألقت الحالة الاقتصادية المتعثرة بظلالها القاتمة على مستويات حركة البيع والشراء في الأسواق، وسط قلّة من الأفراد الذين يحاولون إنعاش عملية التسوّق بشراء بعض المستلزمات الضرورية، وربما كان في ذلك فرصة للتدقيق في طبيعة العلاقة التي تربط الفرد بالطعام لا سيّما في شهر رمضان، فالأصل أن الصيام والاقتصار على وجبتي السحور والإفطار، هو لبّ العبادة في هذا الشهر، وهو?ما أصبح يُستخدم ضمن خطط أهم المراكز الطبية التي تعالج مرضى السكري ، وغيرهم ممن يعانون أمراض السمنة وما يصاحبها من أعراض صحية خطيرة، ما يعني أنّ كلّ ما يرافق هذه العبادة من مظاهر المبالغة والتنويع في كميات وأصناف الطعام على مائدتي السحور والإفطار؛ يُعتبر خرقاً لجوهر فريضة الصيام، وتجاوزاً عن الغاية المرجوّة منها، فإذا ما أمعنّا المواجهة مع ما يرافق الدعوات التي تجمع الرَّحم والأصدقاء على مائدة الإفطار، من مظاهر الترف والمبالغة في مخالفة كلّ القواعد الصحية ومبادئ الاقتصاد في المأكل والمشرب، فإنه يمكن أن ندرك?وبسرعة مقدار المسافة التي جنحت فيها نفوسنا عن مرفئها الصحيح في محراب رمضان، فليس أداء صلاة التراويح بعيداً عن المساجد هو مكمن الخلل، والغاية منه تحقيق أحد أهم مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وليس الحظر ما بعد أذان المغرب، هو ما سيشوّه جمال ليالي رمضان، طالما أنّ الغاية منه تتمثل في الحدّ من فرص انتقال المرض بين الأفراد، والوقوف في وجه احتمالية الوفاة التي عايش كثير من المواطنين مرارة طعمها بفقدان أحباء لهم جراء الإصابة بكورونا المستجد.

إنّ صوم رمضان وبصفته أحد الأركان الخمسة للدين، يمثل تجربة تكررت عبر مئات السنين من عمر الإسلام، فهو يعكس في مضمونه الكثير من القيم الروحية، والصحية، والاجتماعية، وإنّ هذه القيم هي ما جعلته قادراً على التكيّف مع مختلف التحوّلات، وإنّ الكثير مما يرافق هذا الشهر من مظاهر الإسراف في استهلاك الطعام الذي ينتهي بالكثير من كميّاته على حاويات النفايات آخر الليل، لا يمثل سوى هيمنة قوية لثقافة التبديد والمبارزة في ترسيخ النموذج الاستهلاكي؛ الذي يُناقض كلّ قيم الاقتصاد والشعور بالآخر ممن ضاقت بهم أحوال الدنيا، فقضية ه?ر الطعام ليست قضية بيئية هامشية، وهي شديدة الارتباط بمفهوم الدراية الاجتماعية، والتي يُقصد بها مدى فهم المجتمع لذاته ووعيه بوجوده بين بقيّة المجتمعات، مع اعتزازه بقيمه، واستعداده للدفاع عنها، فلم يكن الإسراف يوماً جزءاً من قيم شهر الصيام، كما أنّ "لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» قاعدة بليغة في حماية النفس الإنسانية.

وها هو رمضان قد بدأ الرحلة التي ستمتد لشهر قمري قادم، وهو يعاود خوض تجربة الجائحة وسط رياح أكثر عصفاً، وأمواج أعلى تلاطماً، وإنّ ما ينبغي على المسلمين بذل الجهد في تذوقه خلال شهر الصيام، هو تلك المعاني الإنسانية العميقة التي تكمن بين ثنايا كلّ يوم من أيامه، وإنّ الالتزام بمعايير السلامة الشخصية من تباعد في المسافات، وارتداء للكمامة الواقية، إضافة إلى الإقبال على تلقي المطاعيم المضادة للفيروس التاجي، هي ممارسات لا تقلّ في أهميتها عن أهمية الصلاة وتلاوة القرآن وقيام الليل في الشهر الفضيل، «فإذا ما كانت الحيا? نزاعاً على الحياة فإنّ هذا الشهر إدراك لسرّ الحياة، وإن كان العمر كله للجسم، فهذا الشهر للروح، وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام، فإنّ هذا الشهر للحُبّ والوئام».

لقد بلغ تفشي الوباء ذروته الأكثر قسوة من بدء الجائحة، ولقد فقدنا خلال هذا الوقت العصيب الكثير من الأحبّة، والكثير من الكفاءات الطبية التي قضت على خطوط القتال الأولى، وهكذا كانت ملامح تبدد كلّ ما قابل به المجتمع موضوع المرض المستجد من إنكار، أو لامبالاة، أو تكذيب وشائعات، وكأن سحابة سوداء خانقة تأبى مغادرة السماء، فاستبد المرض، وظروف المعيشة المتعسرة بأحوال البشر، لكنّ نفحات رمضان حلّت بنسائم روحانية، وهي تبثّ في النفوس الأمل من جديد، لكنّ الأمل يحيا بالعمل، العمل الجاد والجهد المتكاثف في سبيل عزل الفيروس ?غرافياً، والدخول في حالة من المناعة الجماعية، ليس ضد الفيروس فحسب، وإنما ضد كل ّ السلوكيات المتعلقة باللقاءات والتجمعات وعادات التسوّق لتتناسب مع الأوضاع القائمة.

أخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com