غدير سالم

يأتي شهر رمضان والقلوب متعطشة لاستقباله خاصة بعد أشهر صعبة فرضتها جائحة كورونا، فصوم رمضان له تأثير واسع على الشخص جسديا روحانيا ونفسيا. و يصاحب رمضان للعام الثاني على التوالي «فيروس كورونا»، الذي يتسبب في جو روحي وديني مختلف عن المعتاد، أجواء تتطلب البعد الاجتماعي وتناول الإفطار مع الأسرة المقربة فقط، وأداء الصلوات في البيت بدلاً من المسجد لمنع العدوى وانتشار الوباء من أجل حماية أنفسنا ومجتمعنا.

وهذه الأجواء التي يفرضها علينا هذا الفيروس يجب أن لا تجعلنا فريسة سهلة له بأن نتهاون عن أداء الفرائض وأن نقع ضحية للسلبية والإغلاقات، وإنما يجب علينا بث الإيجابية وأداء جميع الفرائض بقوة وعزيمة مع أفراد الأسرة، والتواصل مع جميع الأقارب والأصدقاء من خلال الهاتف ومواقع التواصل الإجتماعي حماية لنا ولأفراد العائلة.

التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله تقول: كثيراً ما يشغل بالنا كيف سيمضي شهر الخير دون طقوس تعودنا عليها منذ صغرنا، في وقت تغيرت فيها جميع سلوكاتنا وأهمها عدم اقامة بعض الصلوات في المسجد وخاصة التراويح والإجتماعات العائلية واللقاءات بعدها، لكن هذا لا يمنعنا بأن نحل المشكلة بنطاق عائلي ضيق بحيث نكثر من عباداتنا في البيوت، وجعل أطفالنا يفرحون بشهر الخير من صلاة وقراءة قرآن حيث يستطيع الأهل عمل مسابقات لأطفالهم ووضع مكافأة لمن ينجز أكثر سواء بقراءة القرآن أو الصلاة أو حتى تزيين المنزل، فهذه الممارسات تنسينا ظروف الوباء وفي ذات الوقت هي أجواء رمضانية تعمل على إحياء هذا الشهر بطرق مختلفة غير معتادين عليها».

وتضيف حرز الله: وعلينا أن لا نجعل الوباء يدخلنا في مشاعر الإحباط والاكتئاب التي تبعدنا عن أهم وأعظم سلوك وهو الشعور بالآخرين سواء الأهل أو الأقارب بأن لا نبتعد عنهم بحجة المرض وأن نقوم بزيارة بسيطة لهم حتى يدركون أننا على تواصل مستمر دون دعوات أو موائد رمضانية، وعلينا أن نكثر من الصدقات بشكل أكبر من السنوات السابقة للمساكين والفقراء لما لهذا الوباء من أثر سلبي على أغلب عائلاتنا، وعلينا أن نستغل وقت الخروج من المنزل في توزيع الطرود، فوقت الصيام لا نضيعه في النوم لوقت الإفطار بل علينا تغيير هذا السلوك لعمل الخير قدر المستطاع.

وتبين حرز الله: ولا بد من إعطاء أفكار لأطفالنا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لتطبيقها من قبل الأهل في البيت بعمل خيمة رمضانية بإحدى غرف المنزل وعمل زاوية للصلاة لأفراد الأسرة، ومشاركة أهل البيت في إعداد الطعام، واصطحاب أطفالنا لتوزيع الطرود لكي يشعروا بظروف الآخرين ولا نجعل تفكيرنا السلبي يمنعنا من ممارسة جميع الشعائر الدينية.

وترى حرز الله أنه: في زمن الكورونا تغيرت سلوكياتنا كثيراً في شهر رمضان وافتقدنا الكثير من عاداتنا إلا أن علينا الإصرار على ممارسة الطقوس الدينية وبشكل أكبر حتى نعلم أطفالنا بأننا مهما كانت الظروف سيئة إلا أننا نستطيع مواجهة هذا الأمر داخل بيوتنا وبالطريقة التي تبهر وتعجب أطفالنا، حتى أننا مع هذا الوباء تعلمنا بطريقة إيجابية بأن نكون أكثر تماسكاً ونراعي ظروف بعضنا.

وتضيف: شهر رمضان هو مدرسة في زمن كورونا التي تتجسد بعلاقة الإنسان مع ربه، فرغم أننا نمتنع عن تناول الطعام والشراب إلا أننا لا نمتنع عن العطاء والتعبد وتعظيم شهرنا لأنها مسؤولية تقع على عاتقنا، فرغم العزلة الجبرية إلا أننا لا نعزل أنفسنا عن استقبال شهر الخير طالما نستطيع تقديم ما باستطاعتنا لأننا لدينا الصحة والقدرة المادية والجسمية ومساندة بعضنا البعض بل هي فرصة كبيرة لتقديم الكثير.

وتتابع: فلا تجعلوا العبارات السلبية تدخل أحاديثنا عند زيارة الأقارب أو الأهل لما له من أثر سلبي عليهم بل واجبنا تشجيع كل سلوك إيجابي لاستقبال الشهر بكل رحابة صدر وتفاؤل، وأن نبتعد كل البعد عن الحديث عن المرض وعدم نقل الإشاعات لما له من أثر سلبي على كبار السن، فسلوكياتنا قد تغيرت لكن هناك ثوابت لا نستطيع تغييرها وخاصة الممارسات الدينية وبهذا الوقت زادت ثبات لترسيخها وتعميقها لدى أبنائنا.

أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور محمد الهواري يقول: أوجب الله تعالى على عباده صيام رمضان، والصلاة، فقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل في القرآن.. فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقال تعالى (وأقيموا الصلاة)، والصلاة والصيام ركنان من أركان الإسلام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «بني الإسلام على خمس...» وعد منها الصلاة والصيام.

ويضيف الهواري: والله عز وجل الذي خلق الإنسان لم يكلفه إلا بما يقدر عليه فقال تعالى (لا يكلف الله نفسأ إلا وسعها) ورفع عنه الحرج، قال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، والمطلوب من الإنسان أداء العبادات التي فرضها الله تعالى على الوجه الذي شرعه عز وجل، وبينته السنة النبوية الشريفة، فإذا تعذر أداء هذه العبادات لأمر يرجع إلى المكلف، أو لأمر خارج عن إرادته مثل الجوائح، فقد راعت الشريعة الإسلامية وجود هذه الأعذار، ورتبت أحكاما خاصة لها، ومن هذه الأعذار السفر، والخوف، والمرض، وغيرها، وجائحة كورونا عذر مرضي يجب التعامل معه وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

ويتابع: ففي مجال الصوم إذا أصيب إنسان بهذا المرض تجري عليه أحكام الصيام المنظمة للعذر المرضي، بجواز إفطاره إذا كان الصيام يلحق به ضررا، ووجوب قضاء الأيام التي أفطرها بعد شفائه من المرض لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر).

ويبين الهواري: وأما في مجال الصلاة فيجب أداء الصلاة في أوقاتها، ووفق الكيفية المشروعة التي بينتها السنة النبوية الشريفة لأن الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال، فقد حث الإسلام على أداء الصلاة المفروضة جماعة في المسجد، وشرع أداء عدد من الصلوات النافلة جماعة في المسجد مثل صلاة التراويح في رمضان، والعيدين، والاستسقاء، وغيرها، والأصل أن تقام الصلاة جماعة في المساجد حتى لا تخلو المساجد من ذكر الله تعالى، لأنها أقيمت لأجل ذلك، قال الله تعالى (في بيون أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال* رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة)، ومن كان له عذر يبيح له عدم حضور الجماعة أو يوجب عليه ذلك فالأمر متعلق به وحده لا بالجماعة.

ويرى الهواري أنه: إذا وجد عذر مثل المرض يصيب إنسانا فيباح للمصاب عدم حضور الجماعة، وقد يكون عدم حضور الجماعة واجبا عليه إذا كان حضوره لها يلحق الأذى والضرر بالذين يشهدونها، والأصل رفع الضرر لقوله صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار»، ويجب على كل المصلين الذين يشهدون الجماعة التقيد بكل شروط السلامة العامة من لبس الكمامات، والتباعد الاجتماعي، وغيرها من الشروط للحد من انتشار المرض، وإذا تعذر أداء الصلاة في المسجد بسبب إغلاق المساجد في ساعات الحظر، فيجب على الإنسان أداء الصلاة في بيته، حامدا الله تعالى أن يسر له أداءها، وأن يتقبلها منه، داعيا الله عز وجل كشف هذه الغمة لتستمر عمارة المساجد كما أراد الله تعالى لها ذلك.