تحتفل المملكة يوم الحادي عشر من نيسان بمرور مئة عام على تأسيسها. ومنذ التأسيس حتى يومنا، والاردنيون وقيادتهم الهاشمية يبذلون الغالي والنفيس من أجل ترسيخ قواعد دولتهم حتى غدت مثالاً في التقدم والتحضر والديموقراطية والتسامح والتعايش الديني. وكانت وما زالت مهد العروبة، مدافعة عن قضايا الأمة داعية لوحدة الصف ونبذ الخلافات. ولم يبخل الأردن يوماً، رغم شح موارده، بتقديم العناية والرعاية للأشقاء العرب الذين استجاروا بالحمى الهاشمي هرباً من ويلات الحروب والفتن الداخلية. فكان الحضن الدافئ والملاذ الآمن للفلسطينيين والعراقيين والسوريين وغيرهم ممن استغاث بالأردنيين فأغاثوهم واحتضنوهم وقاسموهم لقمة العيش وشربة الماء. وعلى مدار مئة عام مضت كان الأردن وما يزال بلد الأنصار لجميع المهاجرين من الاشقاء العرب. وعلى مدار مئة عام مضت، اكتسب الأردن سمعة دولية لم تحظ بها أي دولة في المنطقة العربية، واكتسب ملوكها احترام العالم أجمع من شرقه الى غربه ومن شماله الى جنوبه. وكم من مرة دفع الأردن ثمناً غالياً لمواقفه من قضايا الأمة العربية ودفاعه عن كرامتها وعزتها ومقدساتها. ولم يساوم الأردن يوماً على مبادئه وعروبته ولم يرضخ للضغوط الخارجية أو التهديد والوعيد ولم تغريه الرشى ولم يقايض عروبته ورسالته لا بالمال ولا بغيرة. وبقي الأردن طوال السنين ثابت على مبادئ الثورة العربية الكبرى متمسك بها لا يحيد عنها. واتسم نظام الحكم في الأردن بالتسامح والصفح والإنسانية. ولم يكمم الأفواه ولم يمنع الاردنيين من حق التعبير وحرية الرأي طالما مورستا في اطار القانون دون قدح او (ردح) او تجريح. ولم يسبق أن أعدم معارض سياسي في المملكة، بل على العكس، فقد تم احتواء من تآمروا على النظام سابقاً وتم تكريمهم وتسليمهم مواقع متقدمة في الدولة. أيضاً، ولكون الأردن دولة قانون ومؤسسات، فقد تم توارث عرش المملكة بطرق سلمية حضارية، واستمرت مؤسسات الدولة بالعمل دون انقطاع.

مرت الدولة الأردنية منذ نشأتها بثلاث مراحل:

مرحلة التأسيس:

في الحادي عشر من نيسان عام 1921 تم تأسيس إمارة شرقي الأردن، والتف الأردنيون حول الأمير (الملك فيما بعد) عبدالله بن الحسين مؤسس الدولة، وتم تشكيل أول حكومة أردنية برئاسة رشيد طليع. وفي يوم 25 مايو 1946 وافقت الأمم المتحدة على الاعتراف بالأردن كدولة مستقلةذات سيادة ونظام حكم ملكي. وأعلن البرلمان الأردني، الملك عبد الله الأول بن الحسين ملكاً للأردن. واستمر في الحكم حتى عام 1951 حيث دفع حياته ثمناً لمواقفه المدافعة عن القضايا العربية والقضية الفلسطينية بشكل خاص، اذ امتدت إليه يد الغدر الآثمة وتم اغتياله في المسجد الأقصى في العشرين من تموز عام 1951.

وفي عهد المغفور له الملك عبدالله المؤسس،صدر دستور عام 1928 والذي عرفبـ (القانون الأساسي)، وتمت صياغة بنوده استناداً إلى المعاهدة الأردنية-البريطانية لعام 1928، رغم أن الملك المؤسس كان يطمح لوضع دستور متكامل لتنظيم الحكم والإدارة في امارة شرق الأردن، إلا أنه وجد مقاومة لذلك ورفضاً من دولة الانتداب حينذاك.وفي اعقاب اعتراف الأمم المتحدة بالأردن كمملكة مستقلة ذات سيادة، صدر دستور عام 1947 ومن أبرز ما جاء في هذا الدستور، الذي هو العقد بين الحاكم والرعية، أن نظام الحكم في المملكة الأردنية الهاشمية ملكي وراثي نيابي.وبعد استشهاد الملك المؤسستولى الحكم المغفور له الملك طلال بن عبدالله. وصدر في عهده دستور عام 1952. الذي ارتضى به الأردنيون وأقسموا على المحافظة على المبادئ والثوابت الواردة فيه. وقد ركز هذا الدستور على مبدأ الفصل بين السلطات، وبيان حقوق الأردنيين وواجباتهم، ووصف الدولة ونظام الحكم فيها.

مرحلة البناء:

في الحادي عشر من آب عام 1952 تولى الحكم المغفور له الملك الحسين بن طلال (الملك الباني). وبدأ في بناء الدولة الأردنية الحديثة وأجهزتها ومؤسساتها وعمل على تعريب الجيش في آذار عام 1956. وسُمح في العام 1956 بتشكيل أول حكومة برلمانية منتخبة. ورغم شح الموارد، وبالرغم من الاضطرابات والحروب التي تعرضت لها المنطقة العربية والأردن بشكل خاص، نحج الملك الباني، طيب الله ثراه، في صناعة دولة عصرية بكل مقوماتها. وكرس حياته لخدمة المواطن الأردني رافعاَ شعار "الانسان أغلى ما نملك". فكان الاهتمام بالتعليم من أولويات الملك الباني، حيث تم توسيع شبكة المدارس وأنشئت الجامعات والمعاهد التعليمية وأصبح الأردن مصدّراً للكفاءات والايدي العاملة الماهرة التي كان لها دور كبير في بناء المؤسسات في دول الخليج العربي بشكل خاص. كما أسست في عهد الملك الباني المدينة الطبية التي أصبحت فيما بعد صرحاً طبياً عالمياً يضم كافة التخصصات الطبية، وتوسعت شبكة المستشفيات العامة والخاصة. وأنشئت في عهده البنية التحتية الأساسية، حتى أصبح بالكاد تجد قرية أو تجمع سكاني من شمال الأردن الى جنوبه يخلو من المدارس والمراكز الصحية ودور العبادة وشبكات المياه، والطرق والكهرباء. وأولى الملك الباني اهتماماً كبيراً بقواتنا المسلحة (الجيش العربي) والأجهزة الأمنية درع هذا الوطن وحصنه المنيع. فجاءت المكرمة الملكية لأبناء العاملين في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للدراسة في الجامعات والمعاهد على نفقة الدولة تقديراً لجهودهم وتضحياتهم في خدمة الوطن.

مرحلة التعزيز:

بعد أن انتقل المغفور له الملك الباني الى الرفيق الأعلى، وفي السابع من شباط عام 1999، تولى جلالة الملك عبدالله الثاني (الملك المعزز)، حفظه الله وأعز ملكه، مقاليد الحكم. ومنذ ذلك الوقت وهو يسير على درب أجداده من ورثة الثورة العربية الكبرى ولم يحيد عن نهجهم. فكان وما يزال المدافع عن قضايا الأمة وبشكل خاص القضية الفلسطينية. ولم يتزحزح عن موقفه بضرورة حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل عادل، وفق قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى أساس قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس الشرقية. لم تغريه المكاسب المادية من صفقة القرن التي أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها كسبيل لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وعلى الملأ، وعلى مسمع العالم أجمع، وفي وجه صفقة القرن، أطلق الملك المعزز (لاءاته) الثلاثة(لا للمساس بالقدس، لا للوطن البديل، لا للتوطين). ورغم ضيق ذات اليد، ونقص الموارد وتردي الأوضاع في المنطقة العربية، اصبح الملك عبدالله الثاني خط الدفاع الأول عن عروبة القدس وعن القضية الفلسطينية. ولم يدخر جهداً في إيصال صوته لجميع المنابر والهيئات الدولية. وعلى الصعيد المحلي، عزز الملك عبدالله الثاني مكتسبات الأردن ورفع بنيانه. فتوسعت البنى التحتية بشكل ملحوظ وازداد عدد الجامعات والمدارس والمستشفيات، وكرس الملك المعزز الحقوق والحريات، ودعى للتنمية السياسية والإصلاح السياسي ووجه لتشكيل الأحزاب ودمجها، وما زال يطمح للوصول الى تشكيل حكومات برلمانية قادرة على النهوض بالوطن، وأعلن حربه على الفساد والواسطة والمحسوبية والترهل الإداري. ففي عام 2007 أنشئت هيئة مكافحة الفساد لتكون الجهة المختصة بتعزيز مفاهيم النزاهة والحفاظ على المال العام. وفي عام 2011 تم تعديل الدستور، والذي بموجبه تم تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، وأنشئت الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية. ايضاً، واكب الأردن ثورة تكنولوجيا المعلومات، فتوسعت شبكات الاتصالات واصبحت الشبكة العنكبوتية بمتناول الجميع كمصدر هام للمعرفة. كما أولى جلالة الملك عبدالله الثاني، عناية فائقة بقواتنا المسلحة واجهزتنا الأمنية التي تصدت وما زالت لقوى الظلام والإرهاب. فكان من أولويات جلالته رفع كفاءة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وتأهيلها وتدريبها علاوة على تحسين المستوى المعيشي لمنتسبيها. وبقيادته وحكمته وصبره وثباته، تمكن الاردن من تجاوز التداعيات المدمرة لما يسمى بـ"الربيع العربي". فلم تراق قطرة دم واحدة، وبقي النسيج الاجتماعي متماسكاً صلباً بهمة الاردنيين وعزيمتهم والتفافهم حول القيادة الهاشمية.

ولكن نطمح للمزيد:

إن من الظلم والتجني التركيز على السلبيات في واقع حال الدولة واغفال الإيجابيات. فلو لم تفوق محاسنها سلبياتها لما استمرت مئة عام حتى اليوم. ولكن، الإشارة الى مواطن الضعف واجب وطني لا يقصد به الانتقاص من المنجزات وإنما السعي للأفضل. فهناك ترهل اداري في بعض مؤسسات الدولة يستوجب الإسراع في العلاج. وقد صرح جلالة الملك بوجود هذا الترهل وطالب بالإصلاح الإداري. وللأسف عجزت بعض المؤسسات عن تحقيق أهدافها. فلم تقدم بعض المؤسسات نفسها أكثر من حلقة إضافية في البيروقراطية الحكومية. وفي الحديث عن تكافؤ الفرص، نظلم انفسنا إن لم نقل أن الأردنموطناً حقيقياً لتكافؤ الفرص. فالدولة حريصة على تبني الكفاءات من أبنائها، ولكن بالمقابل هناك من تقلد الوظائف العامة عن طريق (الواسطة والمحسوبية) وهو ما أشار إليه جلالة الملك وأمر بوضع حد له. لم يحرم أحد يوماً من النقد وابداء الرأي والتعبير بحرية تامة. غير أن هناك فارق شاسع بين النقد البناء و (قلة الحياء).

ختاماً، إن كنا قادرين على تعداد السلبيات، فإن الإيجابيات لا تحصى ولا تعد. واستحضر في هذا المقام بيت شعرللشاعر العربي بشار بن برد، واستعيره لمدح وطني، فأردد قوله: "ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها؟.... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه".

دمتم ودام الوطن والقيادة الهاشمية بألف خير.

الدكتور ابراهيم العموش

وزير العدل الأسبق