محمد معتصم

(ناقد مغربي)


تعني "إعادة الكتابة" بحسب "مشيل لافون": "كتابة من جديد، لما كُتِبَ سلفا"، وهذا المصطلح يتضمن مستويات مختلفة دلاليا، منها؛ إعادة الكتابة، أي إعادة كتابة "جواب" على رسالة أو سؤال أو حوار، على رسالة أو جواب أو حوار سابقين، لكن إعادة الكتابة ههنا ليست بالضرورة كتابة على كتابة سابقة كما في "الطروس"، بل تكون تفسيرا وشرحا وتوضيحا أو إضافة معلومات جديدة، والفرق بين الحالتين مهم جدا، مثلا، تفسير قول سابق يستدعي توسيع المعنى وتوضيح الغامض منه، بإضافة الحجج والدلائل والبراهين النصية والعقلية (العلمية)، أو الرسوم البيانيَّة والتخطيطات.

إذن، تستدعي إعادة الكتابة: التفسير والشرح من جهة، ومن جهة أخرى تفيد توسيع المتن بالتضمين النصي بهدف جعل الدلالة أكثر وضوحا وأبعد عن اللبس والغموض. ويمكن هنا الاستفادة من ثلاثة مصطلحات استعملها ابن الأثير في كتابة "المثل السائر" في باب "السرقات الشعرية"، وهي: النسخ والسلخ والمسخ، لكن دلالتها ستتغير تماما بانتقالها من الشعر إلى دراسة السرد، خاصة، دراسة "كتابة الذات" من زوايا نظر مختلفة ومتعددة، وهي طريقة محدثة في السرد الحديث والمعاصر.

فالنسخ سيصبح بمعنى إعادة كتابة حرفية للنص السابق، والسلخ يعني الاحتفاظ بمضمون الوقائع والأحداث المروية في النص السابق على لسان المتحدث الأول حول ذاته ومرحلة أو مراحل من تجربته في الحياة، أما المسخ فيعني تغييرا شاملا على مستوى محتوى الأفعال والوقائع، وعلى مستوى الصيغة، ووجهة النظر، وطريقة ترتيب الأحداث بالزيادة والحذف وإعادة ترتيب الأحداث زمنيا، وهذان المستويان يؤثران على مقصدية النص والكاتب معا.

هذه الظاهرة السردية التي اشتغل عليها "مشيل لافون" واستخرجها من كتابات "خورخي لويس بورخيس"، نجدها في عدد كبير من الكتب النقدية، وقد ذهبَ كثيرون إلى أن الكتابة ليستْ في الحقيقة إلا إعادة كتابة لما سبقها بصيغ مختلفة، وليس في الإمكان أحسن مما كان. وهذه إشكالية كبيرة جدا، لأن الرؤية التي تعكس الواقع القائم على السببية مختلفة عن الرؤية الأدبية، فالتخييل الأدبي ليسَ سببيّاً بالضرورة، لأنه يعتمد على "الإبداع". والأهم أن مبدأ الإبداع ينهض على فكرة "حرية التخييل" في بعض الأجناس الأدبية، من قَبِيلِ التخييل الفتتاستيكي في الحكايات والخرافات والأساطير وبعض الرحلات والسير الشعبية، كما نجده أيضا في الخيال العلمي، وهذه الأجناس الأدبية تجعل السببية غير واقعية، أي أنها سببية تولدها الأحداث المتخيلة، أما الأجناس الذاتية، خاصة السير والسير الذاتية، فهي تتمثل الحقيقة الواقعية، وهو ما يضمن لها وجودها الذي يسمى "الصدق" في رواية الأحداث، لأن السيرة والسيرة الذاتية تتوجهان نحو "الإقناع".

لذلك نجد هذه الظاهرة (إعادة الكتابة) في الكتابات ذات البعد الذاتي، التي تعمل على "إقناع" المتلقين بالدرجة الأولى بمحتوى المتن السردي، من أفعال ووقائع وأقوالٍ، ومن طرائق الإقناع، وهو خطابٌ حجاجِيّ محْكَم. إذ نجد صيغ التأكيد (لا نتحدثُ عن التوكيد في النحو العربي بتكرار اللفظ عينه، أو صفته أو أداته أو ما ينوبُ عنه) بإعادة كتابة المحكي الذاتي، بصيغة محكي سيري، أي محكي غيري، على لسان شخصية متخيلة أخرى، تنظر إلى الذات المتحدَّثِ عنها، من زاوية نظر أو قول مختلفة، فتعيد المحكي نفسه بالتأكيد عبر التكرار الأفعال والصفات والأحداث والوقائع نفسها، لترسيخ صورة الـ"أنا" في لا وعي القارئ.

يسود هذا النمط في الكتابات الذاتية غير التخييلية، مثل المذكرات واليوميات والاعتراف لدى شخصيات سياسية أو قادة حروب ومعارك، ورؤساء أحزاب أو طوائف وجماعات، وحالياً، لدى شخصيات إعلامية وفنانين وفنانات وزعماء أحزاب ونقابات، لأن مقصدية محرري السير لا تروم الخلق الأدبي والإبداع الفني والجمالي بالدرجة القصوى، بل همُّها تلميع صورة الـ"أنا"، التي أصبحت رمزا يندرج تحته جماعة أو مرحلة، أو فعل من الأفعال.

رواية الكاتب الأردني محمد حسن العمري "من زاويةٍ أنثى" (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2020)، تنهض على تقنية "إعادة الكتابة"، وما ينبغي الإشارة والتنبيه إليه أن مفهوم "إعادة الكتابة" الذي استخلصه "مشيل لافون" من أعمال "بورخيس"، تحوّل لاحقا إلى تقنية تمارس بوعي مُسْبَقٍ من الكاتبِ، وهو ما يمنحها أبعادا فنية وجمالية ويفتح أمام السرد الحديث آفاقا نحو تجديد الكتابة من جهة، ومن جهة أخرى يوظف السرد تقنية التكرار، التي سادت الكتابة الشعرية منذ حقبها المبكرة، والحقيقة أنني كنت منتبها دائما لهذه التقنية التي تشكل خاصية من خصائص النص القرآني، من خلال تكرير القصص، لكنه تكرير لا يقوم على المماثلة والمطابقة التامة، بل يتخذ أبعادا مختلفة، بحسب السياق العام الذي ترد فيه القصص من جهة، وبحسب المخاطَب من جهة أخرى؛ المخاطَب عامة، والمخاطَب الآني، المرتبط بالسياق الخاص للنص القصصي.

في النصوص التي وظفت التكرار أو "إعادة الكتابة"، بصيغتها الفنية الجديدة، وبعيدا عن المحتوى الشعري المتمثل في "السرقات الشعرية"، نجد أغلبها استعمل واحدة أو أكثر من هذه الصيغ:

1. تماثل الأحداث والوقائع المروية، بين النص الأصل والنص الثاني، واختلاف الصيغة الخطابية وتنوعها.

2. تماثل الصيغة الخطابية بين النص الأصل والنص الثاني، وتنوع المحتوى.

3. تماثل الأحداث والوقائع مع الصيغة الخطابية.

4. تنويع في انتقاء عدد الأحداث والوقائع.

5. تنويع صيغ رواية الأحداث والوقائع.

على مستوى التنويع في الصيغ الخطابية، وهو المظهر الجمالي الأبرز في كتابة الذات وفي رواية "من زاويةٍ أنثى"، نجد السارد يتنقل بين صيغ "تقليدية" متعارف عليها ومتداولة، كالمذكرات، واليوميات، و"القصاصات" (وهي هنا أوراق متساقطة من مذكرات أو يوميات)، وبين صيغ معاصرة تستجيب للتحولات الكبيرة التي شملت الكتابة كما شملت الحياة وأبسط ظواهر سلوك الإنسان المعاصر اليومية تفكيرا ومعاملات وكتابة، وهو المظهر الأبرز الذي يدل على أن الرواية تعي شرطها التاريخي، أعني المدونات الخاصة "Blogs"، وهي كتابات إلكترونية تكتسح الفضاء الأزرق الافتراضي، والمواقع الاجتماعية، وهي بطبيعة الحال، كتابات ذاتية، فورية وآنية، صوت الأنا فيها مرتفع جدا، أكثر منه في كتابة الذات المعروفة، كالسيرة والسيرة الذاتية ولرسائل والمذكرات واليوميات، إلا أن هذه الصيغة تفقد بعض حيويتها وحميميتها عندما ستتحول "المدونات" من فضائها الذي تكونت ونشأت فيه، أي رحمها الإلكتروني، وشبكة الإنترنت والمواقع الخاصة والمواقع الاجتماعية مثل الفيسبوك وتويتر، الذي يساعد في تدوين "قصاصات" خبرية سريعة وهادفة ومحدودة الحجم، أو القنوات الخاصة على اليوتوب، التي منحت الكتابة الذاتية بعدا آخر، وكسبته فئة جديدة من المتحررين حديثا لسانيا ممن لم يكن مسموحا لهم بالكلام في الأدب "الرفيع"، إلى خطاب مكتوبٍ، أي مدونات مكتوبة على صفحات ورقية محدودة الأبعاد وحجم الكلمات.

إذن، أهم الصيغ الخطابية المميزة لمتن رواية الكاتب محمد حسن العمري؛

1. المحكيات الذاتية: وهي المحكيات التي ترويها الشخصيات عن أنفسها (ظافر، سعدية، سيف الخطيب، علي، هيام).

2. المحكيات الغيرية: وهي المحكيات التي ترويها الشخصيات الأخرى عن ذوات أُخَر (ظافر من زاوية نظر سعدية، أو من زاوية نظر هيام، وهكذا).

3. التكرار السردي: وهو تكرار مختلف عن "النسخ"، أي التطابق التام بين الأحداث المروية، مثلا، ظافر من زاوية نظر السارد العامة، ليس هو ظافر من زاوية نظر سعدية (الزوجة الأولى)، ويختلف عنهما ظافر من زاوية نظر هيام (الزوجة الثانية)، وكذلك من زاوية نظر سيف الخطيب وأيضا من زاوية نظر علي أبو علي. والأهم أن شخصية ظافر متعددة بتعدد وجهات النظر، من جهة، وبحسب موقع الشخصية المتحدِّثَة وعلاقتها وقربها أو بعدها عن ظافر، وبهذه الطريقة يتم إعادة الكتابة مرارا دون ملل أو سأم، فيستفيد السرد من ذلك: التوسيع في محكي ظافر، وتعدده، بالتفسير والشرح، لإبراز بعض صفاته الخاصة والذاتية المميزة له عن غيره من الشخصيات الروائية، وبالترميم وإضاءة الجوانب المعتمة من شخصيته.

4. بناء الرواية على مكون الشخصية الروائية، وليس على مستوى مكون الحدث، فالأحداث المروية متداولة في الرواية العربية وخاصة في الرواية الفلسطينية والأردنية، مثلا أحداث أيلول 1970، الهزيمة 1967، حرب أكتوبر 1973. وهذه طبعا أحداث خارجية غير لسانية، بالرغم من إحالتها القوية والمباشرة التي تقرب النص من الواقع، وتضيق المسافة بينهما، بين المتخيل الروائي والواقع الملموس الاجتماعي والسياسي، وهذه صفة من صفات السيرة والسيرة الذاتية والمذكرات واليوميات... وهي كلها كتابة ذاتية.

5. محكي التدوين المكتوب: وهو المظهر البارز والأهم في هذه الرواية، وأعني بهذا المظهر: نقل التدوين الإلكتروني من رحمه الأزرق الافتراضي الواسع إلى ضيق الورقة وفضائها المحدود والمادي.

لا تنفصل الصيغ الخطابية عن المحتوى الروائي، لذلك يتبادلان التفاعل والتأثير والتأثر، بالرغم من الفصل المنهجي الذي تفرضه علينا الدراسة النقدية والتحليل النصي، لذلك فتغير زاوية الرؤية ووجهة النظر، من شخصية إلى أخرى حول موضوع مركزي واحد، لا يعني التكرار التماثلي حتما، بل يكون التكرار لتوسيع آفاق وأبعاد الموضوع، ويكون مناسبة لإضاءة الجوانب المعتمة من الموضوع أو الكشف عن متناقضات الذات موضوع السرد، وهو ما يساهم في خلق حالة من التعدد في الواحد، وهنا تختلف الرواية بضمير المتكلم عن السيرة والسيرة الذاتية. إن حديث سعدية موسى عن نفسها ومحيطها في مدونها الخاصة، يختلف عن حديث هيام أبو علي، من زاويتين ووضعيتين مختلفتين؛ الأولى قبل المرض، إصابة هيام بسرطان الثدي، الذي سيكشف عن شخصية خفية دفنتها هيام تحت طبقات من هيام الطبيبة الناجحة المتفوقة، والثانية بعد المرض، خاصة بعد زيارة سعدية موسى لغريمتها وضرتها هيام أبو علي، وإذا ما قارنّا عملية "الإعلاء" التي قامت بها هيام تجاه سعدية، بحديث الطبيب إلياس الذي تساءل حول المرأة الغريبة التي تنظر إلى هيام بنظرات فيها الحقد والتشفي، يقول الدكتور إلياس في مدونته، المستعادة كتابة على الورق، وهو تكرار مختلف في الصيغة والوضعية: "أتذكر عندما استيقظتْ بعد العملية الجراحية وهي مغطاة بشراشف مضمخة بدمها، كانت تزورها امرأة تفحصتها بنشوة المنتصر، كانت تمعن النظر إلى أطلال جسدها العاري النازف وعيناها تتطايران بالشرر، حتى سألتهم:

- من تكون هذه المرأة ذات النظرات المريبة؟

فأجابني شقيقها علي:

- هذه ضرتها، السيدة سعدية" (ص198).

إنها نظرة تختلف عن نظرة هيام في اللحظة الزمنية والسردية المستعادة ذاتها، يقول: "لكنها هي، سعدية بجسدها، وكامل أناقتها وحضورها العارم بالجمال والكبرياء والنرجسية التي تليق بها، وكانت واقفة أمام سريري، لم تكن طيفا ولا ظلا ولا شبحا، سعدية نفسها، امرأة تتفوق على نساء الأرض المفرطات بنوازع قلوبهن الذابلة بلا وعي ولا بصيرة" (ص221).

البون شاسع بين سعدية هيام وسعدية إلياس، بين نظرة الريبة ونظرة الإعجاب والانبهار، وهذا التكرار ليس تكرار تماثل، بل تكرار اختلاف، لإبراز تعدد الجوانب، وتعدد الشخصية وشموليتها، إلا أن المتن الروائي يلمح إلى الخلفيتين المختلفتين اللتين تقفان وراء هذا التعدد والاختلاف في إعادة صياغة محكي سعدية موسى. الخلفية الأولى لإلياس تكشف عنها هيام من خلال إعلانها عن الرؤية الشاملة لإلياس تجاه المرأة عامة وليس فقط شخصية سعدية موسى، إنها نظرة الشك والريبة، النظرية النيتشوية، النظرة التي لا تعترف بالهزيمة، وترى أنها أكبر من كل رؤية ومن كل فكرة، تقول هيام: "هو مسكونٌ بآراء أستاذه فريدرك نيتشه، التي كان يتلوها علينا في كل لجنة طبية: (المرأة كانت مستبدة ومستعبدة، فليست أهلا للصداقة، ولا تعرف غير الحب، وحبها ينطوي على تعسف وإعماء لمن تحب" (ص242)، بينما النظرة الثانية لهيام، فمصدرها الشعور بالذنب، لأنها أخذت "ظافر" من زوجته سعدية ومن ابنهما محمود، المريض بالتوحد، وهو في حاجة ماسة إلى رعاية والديه. لقد شعرت هيام في لحظة من الزمن، أن المرض الذي ألمّ بها وأدى إلى بتر ثدييها، كان عقابا لها على فعلتها تلك، بل كان العقاب أشد عندما حولها ذلك البتر إلى كائن غريب، امرأة بلا صدر (ثديين)، كأنه إخصاءٌ عكسي، وكأنها المرأة الرجل والرجل المرأة.. تركيب غريبٌ، يظهر حجم الألم والشعور بالذنب، لذلك فإعلاء هيام من شخصية سعدية موسى، هو محاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه من خطأ الماضي، وتخفيف من ألم الذات، وهو ما سيتحقق فعلا، فبعدما رفضت سعدية العودة إلى ظافر بطلب من هيام، قبلت بالمقابلِ مساعدة هيام في تخليصها من الندبة التي تعلو حاجبها، قبل أن تتحول إلى ورم أو ما شابه ذلك، والغريب كذلك أن الندبة كانت في طفولتها المبكرة وهي في حضن والدتها إيلاف، والجاني كان الطفل ظافر الذي عانى طويلا من حالة نادرة تمثلت في فقدانه القدرة على البكاء، أي نزول الدموع من عينيه، وكان وقتئذ طفلا صغيرا أيضا وقد نجا من بين فكي أنثى الضبع بالصدفة.

إنها محكيات محبوكة بدقة، ونسّاجها ماهرٌ، متقنٌ فنَّ الحياكةِ، الذي هو في الوقت نفسه فن الحكاية، وفن السرد.

ومن المحكيات التي جاء فيها التكرار تأكيدا على تأكيدٍ، قصة ظافر مع أستاذ علم الإجرام، الدكتور عبد الحميد القلب، الذي صار يلقب بالدكتور عبد الحميد الكلب، يرويها ظافر بغضب وحنق وازدراء، وكشفت عن مخزون قوي وشديد الفاعلية في نفسه من الحقد والكراهية لهذا الرجل، يقول ظافر في مدونته الشخصية: "هذا الكلب كاد يحولني في السنة الأولى من شاب غض أخضر القلب، إلى مجرم حقيقي يابس كعود لا يصلح إلا للحريق، وكنت سأرتكب فيه جريمة الخنق بيدي، أو تحت حذائي" (ص44). تدوينة مليئة بالحنق والكراهية والبغضاء، هذا الشعور الباني بالكراهية تؤكده سعدية موسى في مدونتها الشخصية، كتبت تقول: "لطالما حشد ظافر نفسه للأستاذ عبد الحميد القلب، حتى ينكل به أمام الأجهزة الأمنية، فأمنعه..." (ص119)، وتضيف على لسان ظافر: "أمس مات الكلب في الشارع العام" (ص120)، بعدما أهان ظافر أستاذه ونكل به وانتقم منه، فخرج الرجل مصدوما وقد صعقته قسوة ظافر، فصدمته سيارة أمام باب مكتب ظافر، ولم يكتف ظافر بذلك، فقد قال لسعدية متشفيا عن الحادث: "كلبٌ وفطس" (ص125). إنها تتجاوز الحالة الاجتماعية إلى الحالة النفسية المرضية.

ومع ذلك، فهذه الحادثة القاسية التي تصف قسوة ظافر تحيل على ظاهرتين اجتماعيتين سالبتين في العديد من المجتمعات، والإشارة إليهما إبداعيا مهمّة في الكشف عنهما وإخراجهما من حالة المسلَّم به اجتماعياً أو عُرفيّاً، إلى مستوى الظاهرة المنافية لكل مبادئ الحق، من كرامة وحرية ومساواة بين جميع البشر، وهما:

1. التمييز العشائري أو الطائفي أو الاجتماعي بين فئات المجتمع الواحد، أو الدولة الحديثة والمعاصرة.

2. الشطط واستغلال المناصب والمواقع للتنكيل بفئات اجتماعية، من قبيل الطلبة الجامعيين.

رواية محمد حسن العمري "من زاوية أنثى"، رواية العائلة، وهي كذلك رواية الشخصية، الأحداث فيها تتكرر بصيغ متعددة، ومن قِبَلِ ساردين مختلفين؛ السارد الخارجي، السارد "أنا"، والسارد الشخصية الروائية. وترصد الرواية الحالات النفسية والذهنية للشخصيات في المتخيل، وتحيل على السلوك الاجتماعي في الخارج، أي خارج النص، فهي بذلك رواية تفاعلية، تجعل للنص المتخيل بعدا وظيفيا، وهدفا معرفيا، إلى جانب خلق الجمال الأدبي واللغوي. في هذه الرواية حياةٌ، وتدافعٌ بين كائناتها المتخيلة.