د.سميح مسعود

(كاتب أردني)


يعمل البروفيسور الإسباني إميليو غونثاليث فيرين في جامعة إشبيلية، وهو يدرّس الفكر العربي والإسلامي، وله خبرة ومعرفة عميقة بالثقافة العربية المعاصرة، لا سيما أنه عمل أستاذاً زائراً في جامعتي القاهرة ودمشق.

التقيت به قبل فترة من الوقت في مدينته إشبيلية، في يوم ربيعي مشرق جميل، في رحاب "مؤسسة الثقافات الثلاث" التي أُسست في عام 1998 بمبادرة أندلسية مغربية، لدعم قيم التسامح والسلام والحوار، وتعزيز التعاون بين الشعوب والثقافات في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهي تجسد في أهدافها الحضارة العربية في الأندلس.

وبينما كنت أجمع شتات أفكاري حول الثراء المعماري لمبنى المؤسسة، التقط "إميليو" طرف الحديث، وأخد يتحدث عن الاستعراب في إسبانيا، وعن حضور اللغة العربية في الثقافة الإسبانية، وذكر قاموساً بالكلمات العربية في اللغة الإسبانية، ألّفه المستعرب "بيدرو دي الكلا" في القرن الخامس عشر، وتوقف عند أعمال مهمة في مجال اللغة العربية لصديقه المستعرب "فيديريكو كورنتي"، منها القاموس العربي الإسباني، والقاموس الإسباني العربي.

وجدت متعة بحديثه عن اللغة العربية، وبينما كنا نحتسي القهوة توقف عن الحديث فجأة، ووضع بين يدي كتاباً وهو يقول: "أهديك هذه النسخة من كتابي (تاريخ الأندلس) باللغة الفرنسية، وهو من إصدارات المؤسسة".

وأخذ "إميليو" يتحدث بحماسة عن كتابه وعما فيه من معلومات، عن أسماء مهمة لها مكانتها العلمية والفكرية في تاريخ الأندلس وفي عصر التنوير الأوروبي، من أمثال ابن رشد وابن حزم وابن طفيل. وأكدت له في سياق حديثه، اهتمامي بفكر ابن رشد التنويري، الذي استبق به عصر التنوير بفترة طويلة. ثم سألته عن الكتب التي أصدرها حتى الآن، فتحدث بإسهاب عنها، ومن بينها كتاب أثار عنوانُه دهشتي: "عندما كنا عرباً".

وهنا سألته بحماسة: "هل لك أن تعرّفني على كتابك بكلمات موجزة؟".

فقال: "أكدت في كتابي أن الإسبان كانوا عرباً بشكل حقيقي لفترة تزيد عن خمسمائة سنة، كانوا عرباً بطريقة تفكيرهم وطريقة كتابتهم ومعارفهم وحتى نظرتهم الأخلاقية للحياة والمجتمع، وأنهم بالإنجازات العلمية والجغرافية والفلكية والفلسفية التي حقّقها العرب والتي امتلكها الإسبان عندما كانوا عرباً، استطاعوا أن يبنوا إمبراطوريتهم العظمى".

وأضاف "إميليو" مستدركاً أن كريستوفر كولومبوس هو ابن المعرفة الجغرافية العربية الإسبانية، وأن اللغة الإسبانية كانت تُكتب بحروف عربية وتسمى "الخاميدو"، وكانت منتشرة بين المسلمين والمسيحيين واليهود السفرديم، بينما كانت اللغة العربية الفصحى لغة الأدب والدين والعلم.

وبيّن لي أنه تطرق في كتابه لكل الأسماء التي أثّرت في النهضة الأوروبية، وركز على ابن طفيل، موضحاً أن قصة "حي بن يقظان" أخذ منها الكاتب الإنجليزي "دانيال ديفو" قصته الشهيرة "روبنسون كروزو"، التي نُشرت سنة 1719، كما أخذ عنها الكاتب الإنجليزي "روديارد كبلينغ" شخصية الفتى "ماوكلي"، بطل مجموعته القصصية في كتاب "الأدغال".

وأكد "إميليو" أن "حي بن يقظان" أعظم وأجمل قصة فلسفية صوفية رمزية في العصور الوسطى، وقد تمكّن ابن طفيل من الإجابة فيها عن أسئلة كثيرة حول الوجود والحضارة، من خلال التفكير والتأمل، واستطاع بهذا إنشاء مذهب فلسفي كلامي خاص به، يعترف الكثيرون بأنه أهم وأقدم محاولة إبداعية في هذا المجال. لهذا أثارت القصة شغف الأدباء والفلاسفة والمتصوفين والمفكرين وتُرجمت إلى أكثر من أربعين لغة.

وتحدث "إميليو" عن أسماء أخرى ذكرها في كتابه، ومنها الطبيب والفيلسوف ابن سينا، الذي عُرف بإتقانه أربع لغات، وكانت كتبه تدرَّس في جامعات أوروبا، واستطاع شفاء أمراض كثيرة لم يعرف العالم طرقاً للشفاء منها. كما تحدث عن ابن رشد وفلسفته العقلانية، وعن فكر ابن خلدون الذي أثَّر كثيراً على النهضة الأوروبية.

واقتبس "إميليو" من المستعرب الإسباني المعاصر ومؤرخ العلوم العربية الأندلسية في جامعة برشلونة "خوليو سامسو": "لولا ما فعله العرب (أو الإسبان عندما كانوا عرباً) في مختلف العلوم، لما كان هناك احتمال بحدوث النهضة الفكرية والعلمية التي نراها اليوم".

ثم استطرد بالتحدث عن العلّامة ابن خلدون؛ مبيناً أنّ إشبيلية نظمت معرضاً دولياً في عام 2006 برعاية الملك كارلوس، في ذكرى مرور ستة قرون على وفاة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع ذي النسب الأندلسي، شارك فيه عدد من الرؤساء العرب، واستمر قرابة خمسة أشهر، بمشاركة مجموعة من الدول العربية والأوروبية، وقُدمت في المعرض وثائق ومخطوطات ذات صلة بالقرن الرابع عشر الذي عاش فيه ابن خلدون.

سألته: "هل كرمت إشبيليا شخصيات عربية غير ابن خلدون؟"، فأجاب: "تم تكريم شعيب أبو مدين، بإقامة نصب تذكاري له في قريته قطنيانة القريبة من إشبيلية، وهو شاعر ومتصوف، تتلمذ عليه محيي الدين بن عربي، ولقبه بمعلم المعلمين". وأضاف: "إشبيلية تذكر بفخر واعتزاز أبناءَها النابغين في العلم والشعر والأدب والفلسفة، من أمثال: شيخ المتصوفين محيي الدين بن عربي، والشاعر ابن فرح الإشبيلي، والشاعر ابن هانئ الأندلسي، والطبيب ابن زهر الإشبيلي".

نظر "إميليو" إلى ساعة يده، وهو يقول: "لدي محاضرة بعد نصف ساعة"، فشكرته على الوقت الذي خصّني به، وبعد مغادرته تجولتُ في حديقة المؤسسة الواسعة والمزروعة بأشجار النخيل والليمون والزيتون والبرتقال، ووقفت أمام شجرة زيتون زُرعت بمناسبة الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية بحضور شخصيات رسمية من مدريد وإشبيلية.