آخر الأسبوع - وليد سليمان



الراحل الكبير الشاعر محمد عز الدين المناصرة والذي رحل عنَّا في عمَّان قبل أيامٍ قليلة كان قد وُلد في العام 1946 في بني نعيم/ الخليل، وحصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من جامعة القاهرة سنة 1968، وشهادة دبلوم الدراسات العليا من الجامعة نفسها سنة 1969، وواصل دراسته في جامعة صوفيا ببلغاريا فحصل منها على شهادة التخصص في الأدب البلغاري الحديث، ثم شهادة الدكتوراة في النقد الحديث والأدب المقارن سنة 1981.

عمل في الأردن صحفياً ومذيعاً (1970-1973)، ثم انتقل إلى لبنان حيث عمل مُحرّراً ثقافياً في مجلة «فلسطين الثورة» الناطقة بلسان منظمة التحرير الفلسطينية (1974-1977)، ومديراً لمدرسة أبناء وبنات مخيم «تل الزعتر"في «الدامور» (1976)، ومديراً لتحرير صحيفة «المعركة» خلال حصار بيروت (1982)، وسكرتيراً لتحرير مجلة «شؤون فلسطينية» التي أصدرها مركز الأبحاث الفلسطيني ببيروت (1982-1983).

عمل بعد ذلك في الجزائر، مدرّساً بجامعة قسنطينة (1983-1987)، وفي جامعة تلمسان (1987-1991). ثم عاد ليستقر في الأردن، حيث أسس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة القدس المفتوحة بعمّان ورأسَه (1991-1994)، وتولى في الفترة (1994/1995) عمادة كلية العلوم التربوية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ثم انتقل للتدريس في جامعة فيلادلفيا منذ 1995.

حصل على العديد من الجوائز التقديرية في الشعر والفكر والفنون والإعلام.. وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، وكان من الذين تداعوا إلى تأسيسها سنة 1973.

له مؤلفات كثيرة في الشعر والنقد الأدبي والفكر والتراث والفن السينمائي والتشكيلي، تُرجم بعضها إلى لغاتٍ مثل الفرنسية والإنجليزية والهولندية والفارسية والألمانية والإيطالية

جفرا والحب العذري

«جفرا» بمعناها اللغوي هي الفتاة في ريعان الشباب او ابنة الغزالة الصغيرة اون الارض البكر.. و"جفرا» هو اسم كنعاني قديم.. اول من استخدم لفظة وكلمة جفرا في عصرنا الحديث وبشكل عذري هو الشاعر والزجّال الفلسطيني (احمد عزيز) حيث عرف فيما بعد بشاعر الجفرا. وجفرا لقب اطلقه الشاعر احمد عزيز على ابنة خاله التي كان يعشقها اذ رفضته او انه تزوجها ثم طلقها ثم ندم على ذلك في (عكا).

وفيما بعد يجيء الشاعر الحديث عز الدين المناصرة ليكتب اشعاره في منتصف السبعينيات عن حبيبته(جفرا) الشهيدة.. وبذلك تتشابه اسماء الحبيبات وتختلف اسماء الشعراء والاماكن والازمان لكن روح الاسى مشترك بين الشاعرين.

وقبل سنوات كان لا بد لنا من الاتصال مع شاعرنا الحداثي المعروف على المستوى العربي والعالمي الدكتور «محمد عز الدين المناصرة» ليجلو لنا هذه حكاية «جفرا"الشبيهة بالاسطورة المدهشة

عن ذلك قال لنا المناصرة: «تعود علاقتي بالاغنية الشعبية (جفرا يا هالربع) الى سنوات الطفولة في قريتي في فلسطين حيث كنت اسمع هذا النوع من الاغاني والزجل في الخمسينيات خلال الاعراس القروية او حفلات السمر، وظلت هذه الاغنية ترن في اذني الى ان كتبت قصيدتي (جفرا) من نوع الشعر الحديث الفصيح عام 1975 وغناها (مارسيل خليفة) و(خالد الهبر).. مما ساعد على انتشارها بين ملايين الناس، حتى اطلق اسم (جفرا) على عدد من المحلات والمؤسسات في بعض الدول العربية.

وفي العام 1977 كنت في قرية (قانا) في مدينة صور حين سمعت ان المؤلف الاصلي للاغنية الشعبية (الجفرا) ما زال على قيد الحياة وانه يعيش في مخيم الرشيدية قرب صور.. ولكن ظل اللقاء به صعبا، حتى التقيته به في اواخر شباط عام 1982 في مخيم عين الحلوة.

وهكذا يلتقي الشاعر الحداثي (المناصرة) بالشاعر الشعبي (احمد عزيز علي حسن وهو من مواليد 1915) حيث اجرى معه المناصرة مقابلة شخصية على اشرطة كاسيت.

ويرى المناصرة والذي ألّف كتابا حول ذلك اسماه (الجفرا والمحاورات) بقوله: «لقد رأيت ان انشر اجابات احمد عزيز بالعامية اولا للمحافظة على دقة الاجابة وثانيا للاحتفاظ بنكهتها التراثية».

شهادة أحمد عزيز

ومن شهادة احمد عزيز كما رواها لعز الدين المناصرة قال: ((انا اول واحد ألّف كتابا عن الجفرا، ولما طلعت الجفرا كان عمري «25» سنة، بعدين طبعت كتاب الجفرا في مدينة حيفا، وبعدين انطبع في عكا، طبعة عكا كانت صورتي على الجلدة)).

ويتابع احمد عزيز للمناصرة قائلاً: تسألني كيف انا ألّفت الجفرا اول مرة، وانا اقول لك انني بينما كنت غارقا في منامي في ليلة من الليالي رأيت فتاة جميلة يحملها شابان مرَّا بها من امامي!! فجمالها الفتان جلب نظري اليها والهبت عاطفتي التي اجبرتني على ان اكلمها، وقبل ان اتكلم بكلمة فتحت عيني فلم اجدها، وتبدل فرحي حزنا وكدرا على تلك الفتاة الجميلة!! وعلى ذلك نظمت شعرا !!.

«وصرت اغني وانا نايم غناني ما بعرفها، اقوم اكتب على الطاولة – خلصت صف ثاني بس – وانشهرت بفلسطين لمَّن طبعت (الجفرا) في كتاب بـِ (8) صفحات، واول مرة طبعت (4) آلاف كتاب، وفي عكا بعدين طبعت وقتها (1500) كتاب».

«يا سيدي لمَّا انت مُصر تعرف شعر المناسبة اللي كتبت فيها الجفرا طيب راح اقول لك: كنت احب واحدة جفرا وكانت البيوت جنب بعضها البعض، وكانت «جفرا» على الحيط، اخذت انا في المحرمة بقلاوة وكنافة وطلعت عندها عَ الحيط.. وكان الألمان يعملون غارات على «الفينري» بين عكا وحيفا، كنت اتفرج مع الناس على الغارة، وانا عند الجفرا على الحيط ضربت الطيارات.. مسكتني الجفرا من ملابسي وقالت لي: ان شافك حدا بصيح حرامي حرامي».

ويلح الشاعر المناصرة هنا على احمد عزيز في سؤاله عن هوية الجفرا وهل هل امرأة حقيقية؟! فيجيب: «بنت كنت احبها». وعندما يسأله وهل هي من قرية كويكبات؟! قال: يمكن يجوز من البلد، انا بعرف انو اجتني بنت حلوة في «الحلم».

«طيب يا اخونا الشاعر اقول لك: انا اول من الّف الجفرا وبعدين وصلت للاردن وسوريا ولبنان، طيب بتعرف إنو في «بيت ليف» قضاء بنت جبيل في لبنان كان في عائلتين: عيلة مع الجفرا وعيلة ضد الجفرا.. وكان يصير اطلاق نار!!».

«وكانوا يعزموني عالافراح.. وكلهم يقولوا: بدنا ابو الجفرا وغنيت في ترشيحا ودير القاسي ومجد الكروم والكابري وعكا وسمحاتا.. حتى وصل صيتي لجبل نابلس وجبل الخليل».

وهنا يؤكد المناصرة ان مبدع «الجفرا» الشاعر الشعبي احمد عزيز ابدع ذلك الاثر الفني الغنائي اثر قصة حب فزواج فطلاق لابنة خاله التي اطلق عليها رمز «جفرا».

وهكذا كان تأثير قصيدة (جفرا) الحديثة عام 1975لعز الدين المناصرة «بحسب ما يقول المناصرة» كان اكثر من الفلكلور القديم نفسه..حتى تُرجمت قصيدته هذه الى عدة لغات منها الفرنسية والانجليزية، ومُثِّلت ايضا في فيلم يوغسلافي سينمائي.. وأُلقيت قصيدة (جفرا) للمناصرة بالفرنسية عام 1997 بصوت ممثل فرنسي قدير، كذلك ألقاها المناصرة نفسه بالعربية في نفس المكان على مسرح موليير في باريس.

ومن قصيدة (جفرا) للشاعر عز الدين المناصرة نذكر هذا المقطع: «تُرسلني جفرا للموت

ومن أجلك يا جفرا

تتصاعد اغنيتي الكُحيلة

منديلك في جيبي تذكار

لم ارفع صارية

إلا قلت فِدى جفرا».