نعم من حرقة نفسي عليها أعود للحديث عنها مرة تلو المرة بما أجتهدُ أن يسهم في تسهيل فهمها وتيسير استخدامها رغم ما ألقى من عتب أو غضب وربما اتهام «بالضلوع في خدمة أهداف خارجية مشبوهة لزعزعة ايماننا بهويتنا الثقافية وتدمير تراثنا الفكري» وغير ذلك من كلام كبير طالما عُلِّق فوق رأس كل من تصدى لتطوير العربية منذ انحسار الحكم العثماني عن بلادنا، وأنا بالمواجهة لا أنكص فأنعتهم بفقدان الثقة بأنفسهم وبلغتهم، وأذكّرهم بانهم ليسوا وحدهم المدلهين بحب لغتهم الأم فجميع اللغات عزيزة على قلوب أصحابها لكنهم لا يقدسونها حد حفظها مجمّدةً بل يطلقون حرية طيورها لمزيد من التواصل وتبادل المعارف بين البشر جميعاً.

من جهة اخرى وإيماناً بقدرة لغتنا على الوفاء بتدريس العلوم وبعد ان اثبتت جميع البحوث الرصينة أن اللغة الأم وليس الأجنبية هي الأفضل لإفهام الطلاب والأصلح للتعليم، شاركتُ الكثيرين في مساعٍ متعددة على مدى عقود من اجل تعريب التعليم الطبي في الجامعات العربية فكنا نصطدم أحياناً بعَبَدة التفوُّق الأجنبي ونتجاوزهم بفضل جهود مفكرينا من الأطباء الذين تفقّهوا بعلوم لغتهم كما العلوم الطبية، وكان آخر تلك المساعي المشروع التاريخي الكبير الذي انجزه مجلسا وزراء الصحة العرب ووزراء التعليم العالي العرب بالتشارك مع منظمة الصحة العالمية واتحاد الأطباء العرب وخبراء من جامعات مصرية وتونسية وسورية و.. من الجامعة الأميركية في بيروت، واحتفلنا بالتوقيع عليه في دمشق في كانون اول ١٩٨٨ ثم عدنا الى اوطاننا متحمسين للبدء بتطبيقه في جامعاتنا على مراحل متدرجة تستغرق عشر سنوات مترافقاً مع تدريس مساق الانجليزية أو الفرنسية الخاصة، من ناحيتي فقدتُ مع الاسف إمكانية متابعة الامر إذ أُقلت بعد أيام من موقعي كمسؤول عن الصحة لسبب آخر هو معارضتي آنذاك للمؤسسة الطبية العلاجية، أمّا الدكتور ناصر الدين الأسد المسؤول عن التعليم العالي الذي التقيته في وقت لاحق فقد قال لي بحسرة: اننا مهزومون يا زيد فالمشروع قُبر في ادراج الحكومات العربية وسط صمت شامل مريب، واستنتجنا معاً أن وراء ذلك قوىً داخلية وخارجية لا تريد الخير لهذه الأمة او للتعليم فيها، وفي نفس السياق أنحينا باللائمة على جامعاتنا ومجامع اللغة العربية لأنها وقفت مكتوفة الايدي وكأن الامر لا يعنيها..!

لقد عدت اليوم للحديث ولن املّ التكرار كي تظل الأجيال المتعاقبة واعية لما يجري من غدر بلغتها الوطنية واستخفاف بقيمتها فتهب لنصرتها ذات يوم بتبنّي الخطة التي أُنجزت في سوريا منذ اثنين وثلاثين عاماً (بعد اعادة دراستها وتحديثها طبعاً)، وسوريا للاعتزاز هي البلد العربي الوحيد الذي ما زال متمسكاً بتعليم الطب باللغة العربية وبنجاح لأكثر من مئة عام.

وبعد.. لسنا نراوح مكاننا في تعريب العلوم الطبية فحسب بل ايضاً في قضايا لغوية حيوية خشينا الاقتراب منها وتقوم بتحديثها الان مؤسسات اجنبية ليس لسواد عيوننا بل خدمةً لأغراضها التجارية!.