من جلس مع الأيام يتصفح أوراقَها، ستخبره أنّ للوطن جاذبية تجمعنا ولا تفرقنا، وتزيدنا ولا تنقصنا، وأن للتاريخ عبقاً

يجعلنا نكتب على جبين الأيام كلمات يقرؤها أبناؤنا من بعدنا: «من هنا مرت الأمجاد، فسقاها الأجداد من عرق الجبين، ليحصد الأولاد والأحفاد ثمار وطنٍ يحمل نبراس الهدى لمن اهتدى، وراية النصر في كلّ ميدان.. وهل نحن إلا جزء من هذا التراب!!».

فالوطن الذي فيه درَجنا ومنه تعلمنا كيف يحمينا ونَحميه، ويعطينا ونعطيه، ويسارع الكرام في فعل الخيرات فيه، فيزرعون ليستظلّ غيرُهم، ويَسقون ليرتوي غيرُهم، فالوطن لا نحاسبه بالقِطمير، ولا نعدّ عليه الأنفاس، فهو السابق ونحن في كنفه نسير وهو الحصن الحصين إذا عصفت الرياح، وهو الطمأنينة إذا اضطربت الأرواح، وهو العليل إذا تعبت الأجساد.

ولنا مع الأردن قصة نرويها وتروينا.. فهو وطن من نوع آخر، لأنه جنة من جنان الأرض، وزمردة مر عليها الأنبياء والأصفياء والأولياء، وهو أرض المحشر والمنشـر، لذلك فنحن نفاخر بترابه وتراثه وتاريخه ورجالاته، الذين إذا غيّبت الأيام أحدَهم فلا ننساه، بل نحفر في الصخر الورديّ اسمَه، ونسطر بمشاعل النور تضحياته.

وفي أردن النّشامى تعلمنا كيف نواجه العواصف، ونتغلّب على التحديات، فمهما اشتد الوباء والبلاء، ورشحت روائح الحقد، فسيبقى عصيًّا لا تكسره الضربات بل تقوّيه. فعلى امتداد الزمان والمكان، ومنذ عقود والأردنّ يواجه غطرسة المحتلّ الإسرائيلي، وتجاوزاته على الأرض المقدسة والمسجد الأقصى، والمحتلّ يُداهم العِرض والحرمات، ويحاول أن يصطاد في المياه العكرة، ليولد شرارة لا تحرق إلا من يعادينا، ونبقى الأقوياء الذين لا ينهزمون بإذن ربّهم. فهل سيقنع أعداء أنفسهم وأعداء الأردنّ وأعداء الإنسانية بأنّ الأردنّ سيرتقي بسواعد أبنائ? وهم يواصلون مسيرة العطاء والبناء والنماء.

وإذا تقلبت الأجواء، فقلوبنا نقية تنبض بالمحبة بيننا، لنتجاوز الاختبار بأعلى مستويات النجاح، وخلف التلال تلال تنمو وتغفو وتصحو على عهد الأولين من آبائنا الأفذاذ.. عهد يحمل بين الجفون هموم الوطن، وفي العيون أمل المستقبل، وفي القلب إيمان راسخ بأننا هنا باقون.

وإذا نظرنا من النافذة قليلاً، لنأخذ جولة مع الأحبة ومع الذكريات لنعرف أننا يدا بيد نستطيع أن نبرهن أننا ذلك الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، كيف لا؟ ونحن مع كورونا ننتظر انتهاءها لنعود كما كنّا في سعادة وهناء.. فكورونا وغيرها لن تزيدنا إلا ثقة بالله، أن يجعلنا أقوى كما يجب ربّنا ويرضى، وكما يسرّ الصديق ويُحزن الأعداء.

وسنبقى نهمس دوما في أذن أكبادنا التي تمشـي على الأرض: «كونوا حزمة متماسكة فلن تنكسـروا، وتعاونوا على الخير تفلحوا، وإذا ألمت بكم جائحة فاجعلوا من إيمانكم الراسخ معول هدم لكل انهزام، ومعول بناء لكل طريق نجاة، وتماسكوا بزمام المركب تنجون لأن الأمواج تتنحى جانبا أمام العزيمة والإصرار على الوصول، وأما المرساة فلم ولن تعرف مثل الوطن موطئا».

agaweed1966@gmail.com