د.سهى نعجة

(كاتبة وأكاديمية أردنية)


الشعر فردوس الدنيا، وسدرة منتهاه، لا قبلَ له في خوابينا ولا بعد، إنه يتنفّس الفجر فيشهد أن لا

قول يعلو عليه أو يحلو، إنه يجوز السماوات السبع إلى سماء ثامنة وتاسعة، بل إلى اللامنتهى.

الشعر روح متخمة بالسفر؛ حيث لا مفر من علبة سجائر وفنجان قهوة بحثاً عن وطن منتظر. الشعر أن تظل على عهد الصبا، تتلو مع طلّة الفجر:

"والفجر؛

ستمكث فيّ ملء الدهر؛

روض فراشات،

وعبق زهر،

وفيض قَطر".

حتى الليل ادلهمّ،

رفعت للباري يدي:

"أن ربّ،

بلّغه أني نبضه العلميّ،

وليلى سلواه النحويةّ،

وسعدى بحوثه العلميّة،

وبشرى حضوره في واردي نبع العلم الجليل،

ونعمى سلاف العمر الذي تشهد عليه كلية الآداب في الجامعة الأردنية: إنساناً وبياناً وبنياناً".

الشعر رجل، بل هو الرجال جميعاً،

هو العالم الأستاذ الدكتور الشاعر المحقق التربوي محمود حسني مغالسة الذي غفا على حلم الاتشاح بسدنة النحو العربي فغدا كالحمامة يفرد جناحيه لطلبته، ويطير..

محمود حسني مغالسة هو الشعر؛ إذ كان يشعل عود الثقاب في طلبته، ليتقنوا العربية من غير عتب على طالب مقفّى بالتعب..

فيا لوَقدة الياسمين في مجاز حضوره المشذى بين أقرانه وطلبته ذات وجد وحنين!

ويا لخشعة شمس الظهيرةحين تغفو على زند كتابه (النحو الشافي الشامل) فيدلّ كل من ضلّ الطريق !

محمود حسني مغالسة شاعر الغروب الناهض بالحياة، فثمة ضوء ينوس في شواهده وأمثلته النحوية، فيُشَعْرن النحو، ويولم الندى لخشعة الأصابع قاب رعشة حبلى بالطيوب، ولنبعة تروي طيرَ حبّ حلمَ طويلاً بقوافل غيم تفيض عشباً وورداً.

فيا أستاذي، يا سليل الأرق، تمهلْ، ولا تنكرَنْ فتنة الرّيق نشْتاره من وحي كلامك عن الخليل، وسيبويه، وابن السراج، وابن مالك، وكل نحويّ غويّ طروب.

تمهل أستاذي، ولا تَنْكُثَن غزلك بهجر العلم على شفا عمر نؤوب إليك فيه بلا غروب، وتذكّر أن بيوتنا معمورة ممهورة بك، ودونك هي أوهى من بيت العنكبوت.

يا سليل وهم الغروب،

لن تتوب أصابعك عن بوح وجد العربية وعبير خزاماها، فصَلّ لنبضك البري، لليل يستضيء بك قمراً غجرياً؛ يغوي مسائل الخلاف النحويّ الشذيّات، فيصبرن على النوى صبر أيوب.

يا سليل وهم الغروب،

ألقِ عصاك، وانظرَنْ وجد طلبة العلم لابتسامتك العروب، التي تنهد بلا لمز للإجابة عن سؤال من طالب سها ذات نعسة، فخانته الدروب، فغدا يحتريك في كروم العنب، وفي طلّة قوس قزح بعيد مطر حميم.

يا سليل الغروب،

يلسعني الاغتراب في عينيك المترعتين بالدمع الصامت، فيَنْتشُ العمر، ويُريقُ العِطر في محاولة ضالّة للتصالح بين السحاب والمطر، وإنك أنّى يممتَ شطرك تظلّ رسول محبّة، وغيمتنا الحبلى بالإنسانية السماوية الماطرة احتراماً لنحاة العربية على خلافاتهم، وكيف لا يكون كذلك وجده أبو عمرو بن العلاء الذي يعمل على الأكثر، ويسمي ما خالفه لغات؟ وكيف لا، وخِدنه ابن فارس الذي اعتلى صهوة القياس فقال: "ما قيس على كلام العرب، فهو من كلام العرب؟ ".

يا سليل الحضور،

سألتَني زورةً، فلبّيتُ.

صافحتُك حتى في أرذل العمر فكنت في أجلّه.

مضيتَ بي في لحظة مباغتة لا تعرف الهوينى في مقصورتك الخاصة، الخاصة جداً جداً، مضينا ورفيقة دربك سيدة الحُسن، وعرّابة الوصل تعانقني، وتراود دمعك الملتوت بالوجع، وتولم العشب للمناجل.

مضينا معاً، فإذا بي في مكتبة شاسعة جمعت حناجر الكتاب وخناجرهم، واتفاقهم وافتراقهم، وتعريبهم وتغريبهم، وشلال الموسيقى المنبعث بجلال من دواوين الشعر الموغلة في عصور العربية ازدهاراً وانحداراً ينساب في أذنيّ.

صليت في ملكوت مكتبتك، ودوزنت أصابعي في رحبوتها، وعلا فينا كلنا أجمعين صهيل وصليل أنْ حيّ على بيت مقفّى بالكتب، وحيّ على ربّ مكتبة يعفّها ويجلّها حتى في العمر الهارب!

كنا أمام الكتب في خشعة، وكان الجليل محمود حسني مغالسة يرتعش برداً وأمناً، وبصوت أجشّ متهدّج أوقفني وابني قبالته وقال: "سهى، إني قاب صحو يروح ويجيء، بل إني قاب غروب، وإن خانني العمر، وخانتك رفقتي، فإليك مكتبتي تكلّها، تشهد على حضوري فيك، وفي زوجك الأستاذ الدكتور حسن الملخ، وفي حبيب الزمن الهارب محمد.. إليكم مكتبتي روحاً وريحاناً، وتذكّري أني ذات يوم كنت ذا الوصل بينك وبين زوجك، فكوني وزوجك وابنك ذوي الوصل وعلمي للذين ما يزالون يجاهدون علماً ولا يجاملون أو يحابون".

بكيت مدّ السماء ودّاً، ووجداً، وعاهدته ملء الروح أن يظلّ لنا أباً لا نِدّاً، وأن يفوح عطر مكتبته في بيتي إذ يفيد منها طلبة العلم شذى مندّى.

وذات شروع في العودة إلى بيتي بُعَيد نقل المكتبة الجليلة، صمت العالي الشاهق الأستاذ الدكتور محمود حسني ثم قال:

"دائماً سأكون رفقتَكِ سهاي

أشعلُ فتيل البحث العلمي في ثياب غربتك

وأمحو حزنك البريّ..

يا سهى،

كنا صغاراً

نراود العشب

نولم لخضرته شهيقنا

كبرنا

نكأت جراحنا

ظَلّ العشب

وضللنا طريقنا

لكنني معك، وبك

دللت الطريق".

أستاذي الأستاذ الدكتور محمود حسني مغالسة الإنسان العالم النحوي الشاعر..

كل الأزمنة زمانك يا بحر،

وبحرك بكل عنفوان

يجري شاهداً على

ضحكتك الطازجة،

فألقِ عصا العمر

واختضب بالوصل

وبالطيب المندّى

واشهد أنّ الزمان جادك بالرضا

وبالحنين، وبالمحبين

وبأنك حتماً ستظل من الخالدين..