د.إبراهيم أحمد ملحم

(أكاديمي وناقد أردني)


سباقات محمومة في عصر التكنولوجيا الذكية بدأت بالهبوب على الجماهير الرقمية، وبمقدار ما تقدم لها من خدمة المتعة والترفيه، ستجتاح الأخضر واليابس ما دامت الاستعدادات لإدارة التحديات غير كافية، وكذلك الدراسات المستقبلية التي تضع الآتي في متناول اليد؛ كي نستثمر خيره ونتقي شره.

هذه الرياح القادمة هي التقنيات البرمجية في الخداع البصري والتلاعب بالصوت والصورة الثابتة والمتحركة، وقد تكون متوافرة في القريب بصورة تطبيقات على الهواتف الذكية.

وحتى أبسّط للقارئ الأمر، سأتحدث عن بعض هذه التقنيات متجاوزاً تقنيات أخرى كثلاثية الأبعاد (3D) أو ثنائية الأبعاد (2D)، وسأتطرق لانعكاساتها الإيجابية، والسلبية التي ستتخذ صورة العنف:

1. تقنية الواقع المعزز (Augmented Reality) التي تخلق واقعاً افتراضيّاً يُضاف إلى الأصل أو يدمجهما معاً، وقد يمكّن استخدامه من تحسين الأداء في حقول مختلفة كالتعليم وبخاصة التفاعلات الكيميائية وعلم التشريح والتصميم، وفي تحقيق مستوى أعلى من الترفيه والإثارة حين تُستخدم بخاصة في السينما وفي ألعاب تستهوي الأطفال والبالغين على حد سواء (مثل "البوكيمون")، وكذلك في تنمية ملكات الخيال وارتياد آفاق ما كان يمكن بسطها بغير هذه التقنية، كالخيال العلمي.

تسمح هذه التقنية بمطاردة المخلوقات الغريبة للقضاء عليها في الألعاب، وتخلق جيشاً وهميّاً يمكن أن تقاتله دون أن يكون هناك جيش فعلاً، وعلى الرغم من أن هذه التقنية تُستخدم في التدريب، فإنها يمكن أن تُستخدم أيضاً في خداع الطرف الآخر والتلاعب ببصره وحواسه الأخرى، والتأثير في تكوينه النفسي، فتدفع إلى الجريمة والانتحار. وقد استُخدمت بكثرة في الإعلانات؛ لقدرتها الفائقة على لفت نظر المستهلكين، وتحقيق مبيعات ملحوظة.

وعلى الرغم من أن هذه التقنية ليست وليدة الآن، فإن تطويرها الذي أخذ شكل القفزات منذ عام 2013 هو ما نتحدث عنه، وهو ما يمكن أن يؤدي إضافة إلى الإدمان وسرقة البيانات والخداع بالطرق شتى، إلى مزيد من العنف، وبخاصة حينما تكون المشاهد التي يتابعها الفرد على الشاشة الكبيرة أو الهاتف الذكي قائمة حصراً على اثنين: القتل والإغراء؛ إذ تغدو المسافة ما بين الواقع الذي يعيشه والواقع الذي يشاهده في منتهى الضبابية.

2. تقنية التزييف العميق (Deep fake) التي تعتمد على محكّات حقيقية كالصور الملتقطة في أكثر من تعبير، أو مقاطع الفيديو (وهي موجودة بكثرة في مواقع التواصل الاجتماعي بخاصة للشخصية أو الشيء المستهدف)، ويتم بعدئذ دمجها في فيديو جديد ربما يُضاف إليه الصوت الحقيقي ليبدو في توظيفٍ آخر اعتماداً على محكّات صوتية اقتُطعت لتؤدي المطلوب.

وينجم عن عملية الدمج في هذه التقنية وجود أشخاص في أماكن وأزمان وأوضاع لم يمروا بها كالرقص والجنس وجرائم القتل، أو يقولون أشياء لم يتفوهوا بها مدعمة بتعبيرات الوجه، ويصل الإتقان في هذه التقنية إلى درجة يغدو من المستحيل معها اكتشاف التزييف اعتماداً على المشاهدة العادية.

وعلاوة على ما ستحققه هذه التقنية من فوائد إذا أُحسن توظيفها في التعليم والسينما وغيرهما، فإن المخاوف التي تلوح في الأفق أن توظَّف لاستغلال الأفراد ماليّاً وابتزازهم خاصة إذا أصبحت بصورة تطبيقات على الهواتف الذكية تمكّن أيَّ شخص محتال من الكسب السريع حين يقوم بدمج الصورة على مقاطع أفلام مخلّة بالأدب مع طرف آخر قد يكون قريباً منه، أو مقاطع ارتكاب جريمة، ما يشعل نيران العنف والانتقام بين الأطراف ذات العلاقة إذا رفض الشخص الرضوخ للاستغلال أو الابتزاز، أو حتى إذا أذعن له؛ لأن عملية الاستغلال والابتزاز ستبقى قائمة.

3. تقنية الحنين العميق (Deep Nostalgia) التي تعتمد على صور حقيقية قديمة لأشخاص في تعبيرات مختلفة نحنُّ إلى رؤيتهم، فتظهر كأنها حيَّة بألوانها الحديثة وحركتها الطبيعية، وقد تستعين بالصوت إن كانت هناك مقاطع صوتية تجعل الأمر حقيقيّاً.

وعلى الرغم من أن هذه التقنية يمكن أن تُستخدم في الأدب كالشعر والرواية لإنتاج أشكال جديدة من الأدب الرقمي والأفلام الوثائقية المؤكد ثبوت محتواها؛ لتعرض في قالب يحقق المتعة والفائدة معاً، فإنها قد تزوِّر التاريخ، وقد تفتح الجراح التي اندملت بعد الحزن على مَنْ فقدنا، وقد تدفع إلى أمراض نفسية مختلفة بسبب الصراع ما بين الحقيقة والخيال داخل الذات، والأخطر من ذلك أنها قد تجعل السابقين خيرين، وقد تجعلهم شريرين، وفق هوى مَنْ يستخدم هذه التقنية، ووفق الجهات التي يقدمها إليها أو يرغب في تحقيق مآرب منها قائمة على الاستغلال والكسب المادي.

نلاحظ أن التقنيات يقوم بعضها على بعض، فتتطور وتندمج معاً؛ لتتشكل تقنية معينة مفيدة ومدمرة معاً، وإلى أن تصبح تقنيتا التزييف العميق والحنين العميق اللتان تعتمدان على الذكاء الاصطناعي، في متناول مستخدمي الأجهزة الذكية على شكل تطبيقات، يجب سنّ التشريعات القانونية في ما يتعلق باستخدامهما بحيث يجري تزويد المتصفحات بأيقونة عالية الدقة للكشف عن كون الفيديو مفبركاً أو حقيقيّاً، وسنّ قوانين رادعة ضد المزيفين الذين قاموا بهذا الفعل عبر انتهاك خصوصيات الوثائق، والسعي للاستغلال بهدف الكسب غير المشروع أو الإجبار على القيام بأعمال مخالفة للقانون، وبالتالي، التسبب في إثارة العنف داخل المجتمع أو في أوساط الجماهير الرقمية؛ لأن الميدان الخصب لهؤلاء سيكون الشخصيات الموجودة في مواقع التواصل الاجتماعي حيث مناجم الذهب من الصور والفيديوهات التي تتضمن مقاطع صوتية.

وإذا كانت حوكمة مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت تستقطب الملايين من البشر ترغب في استمرار السيول الجارفة من البشر ضمنها، والسيول الجارفة من المال عبر ما تحصل عليه من دخل الإعلانات الموجَّهة إليهم، فإن عليها أيضاً أن تحمي جماهيرها الرقمية من مخاطر هذه التقنيات الثلاث، وغير ذلك مما سُيُبنى عليهما في المستقبل؛ حتى يستمر السَّيلان كلاهما في النمو.