لماذا تتصارع الإمبراطوريات؟ سؤال قديم ظل يتكرر حتى جاءت الاجابات متنوعة بعضها مقنع وآخر سطحي، ولعل أقربها للصواب هو تضارب المصالح ضمن نظام السوق الرأسمالي القائم على التنافس المنفلت الذي لا يقيم وزناً للعلاقات الإنسانية، وفي منطقتنا مثلاً أُتيحت الفرصة للباحثين المعاصرين أن يعايشوا خلال فترة زمنية قصيرة لم تتعدّ القرن العشرين انهيار الامبراطورية العثمانية وحلول الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية محلها ثم تفككهما وانتقال النفوذ للإمبراطورية الجديدة «أميركا» التي كان الامر قد استتب لها في معظم اصقاع الارض، ?قد أرخوا لذلك بمعلومات وردت في وثائق المخابرات المفرج عنها، ومن هؤلاء أستاذ التاريخ في جامعة أوكسفورد يوجين روغان في كتابه القيّم «العرب.. تاريخ» الذي تحدثتُ عنه في مقال سابق..

يخطر لي اليوم وقد ألممتُ كأبناء جيلي بأحداث المنطقة لما يقرب من مئة عام ان التقط مشاهد من اقتحام النفوذ الأميركي لها كي يهز عرش بريطانيا بنظرية سد الفراغ رغم وشائج الصداقة بينهما وتحالفهما المنتصر في الحرب العالمية الثانية وانتسابهما لحلف شمال الأطلسي، وأبدأ من مفاوضات حكومة النقراشي المصرية عام ١٩٤٩مع بريطانيا لإنهاء احتلالها لقناة السويس ولما فشلت رفعت القضية لمنظمة الامم المتحدة بتشجيع غير معلن من قبل الولايات المتحدة كانت ترصده الصحافة الوطنية خصوصاً اليسارية منها، وحين استؤنفت هذه المفاوضات بعد ثورة ١?٥٢وانتهت بالجلاء عام ١٩٥٤لاحظت هذه الصحافة ان ذلك كان يجرى بمتابعةٍ (!) غير مباشرة من الولايات المتحدة، ولما حاولت بريطانيا العودة لاحتلال مصر بالعدوان الثلاثي عام ١٩٥٦رُدّت على أعقابها ليس بفضل المقاومة المصرية الباسلة فحسب بل أيضاً بدعم دول صديقة وتدخلٍ أميركي من نوع آخر في عهد الرئيس آيزنهاور..

ولعل البعض يتذكر معي أن إعلاماً مصرياً جديداً كان قد نشط قبل ذلك ضد بريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأسلوب دُرّب عليه في اميركا خصيصاً صحفيون مصريون كثر منهم التوأمان مصطفى وعلي أمين لامتصاص الغضب الشعبي وحرفه عن أهدافه، وقد أُنشئت لهما دار كبيرة حديثة للطباعة والنشر وأصدرت لاحقاً «الأخبار»، الصحيفة اليومية الأسرع والأوسع انتشاراً التي تظاهرت بتأييد ثورة عبد الناصر ما أوهم الكثيرين انه «في جيب» أميركا..! إلى أن انكشف أمر مصطفى امين وحوكم كجاسوس لحساب المخابرات المركزية الاميركية، ولم نكن قد نسينا? قبل ذلك بسنوات بطلاً (!) لتحقيق صحفي ملفق يصور كأفلام العصابات الهوليودية الضابط حسين توفيق من تنظيم الحرس الحديدي لفاروق وتهريبه من السجن بعد ان اغتال الوزير امين عثمان لأنه عميل لبريطانيا..!

وبعد.. هل ابتعدت عن السياق؟ لا أعتقد، فبمثل هذه الوقائع المتفرقة يمكن تجميع المشهد الكبير في كثير من دول منطقتنا لنرى بجلاء ووضوح كيف تغلغل النفوذ الأميركي وحل محل البريطاني والفرنسي وأين وصل الآن، بالتواريخ الدقيقة وبأسماء الأشخاص أبطالاً أو خونة.. وما زال الحديث مفتوحاً..!