الدكتور عامر أحمد العورتاني أخصائي علم الاجتماع Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com

بعد أن نجحت محاولتي للتسجيل على المنصة المخصصة لإعطاء المطعوم ضد الكوفيد – 19، ووصول رسالة بتحديد موعد ومكان تلقي المطعوم، توجهت إلى قاعة يا هلا في المدينة الرياضية، وهناك حيث كانت القاعة منظمة بما يتناسب وإجراءات السلامة من حيث مراعاة التباعد المكاني، وارتداء الكمامة الواقية، وانتشار سوائل التعقيم في مختلف الأماكن.

لم تأخذ عملية تلقي اللقاح سوى دقائق معدودة، مختومة ببعض النصائح المعتادة عند أخذ المطاعيم. وحيث كانت أعداد القادمين ليست بالقليلة، فإنّ عملية التنظيم، وتسلسل الإجراءات، كانت تساعد في تخطي تلك الأعداد ضمن توقيت كاف، وبالقدر الذي شكّلت فيه رؤية أعداد المقبلين على تلقي المطعوم انطباعاً بمدى الوعي، والحرص على إظهار التضامن المجتمعي ضمن محاولات التصدي للفيروس الخطير، فإنّ نسبة ممن لا يزالون يُنكرون صحة اتخاذ هذه الخطوة، ومزجها بالعديد من المعلومات الكاذبة والمُضللة موجودة أيضاً، فلا تزال فئة من الأفراد تؤمن بس?اسل طويلة من الشائعات التي رافق انتشارها تفشي الوباء، الأمر الذي يقف حائلاً لدى البعض دون تلقي لقاحات كورونا المستجد، الأمر الذي يُشكّل خطراً لا يقل حدّة عن انتشار المرض نفسه، فبالرغم من ارتفاع نسب الإصابة إلى أرقام صادمة، وزيادة أعداد الوفيات، والتي لم تقتصر على كبار السن، أو أصحاب الأمراض المزمنة، وهي تشمل ضمن قوائمها عدداً من الكوادر الطبية المقاتلين ضد المرض في صفوف المواجهة الأولى، وعلى الرغم من دخول المرض نسبة كبيرة من البيوت، فلا يكاد شخص إلاّ و يعرف آخر أُصيب أو توفي بكورونا.

وبالرغم من تحوّل صفحات الفيس بوك إلى سرادقات عزاء لا تتوقف، إلّا أن البعض ما زال مستمراً في عزل تفكيره عن كل ما يجري، مُنكراً أو متجاهلاً كلّ ما يُروى عن قصص المرض وخطورته، وهو ما يمكن ملامسته عبر اللامبالاة أو التذمر الذي ما زال البعض يُبديه اتجاه إجراءات الوقاية، ومدى الالتزام بتعليمات السلامة العامة، واتخاذ الكثيرين موقفاً متردداً من مسألة تلقي لقاح الفيروس المستجد، وإن أكثر ما يُقلق في ردود الفعل هذه، هو الكيفية التي يتفاعل بها العديد من الأفراد مع المعلومات العلمية والطبية التي يبذل الأطباء واختصاصيو ?لأوبئة قصارى جهدهم لإيصالها عبر وسائل الإعلام المختلفة، إلّا أنّ تيار الشائعات والتضليل الفكري يسير بقوّة أكبر عند بعض الأفراد، وهو ما يلفت إلى حالة من الشلل أو شبه الشلل في عملية التفكير العلمي. فلم تتوقف هذه المسألة عند حدّ الكثير من الأخبار الكاذبة التي تداولها البشر عبر العالم مع بدايات ظهور المرض في العام الماضي، والتي تمّ بثها أو تناقلها من باب المزاح والتهريج، أو النقل الأعمى لتلك الأخبار من قبل بعض المشاهير والمؤثرين، التي ارتبط بعضها بمعلومات لا أساس لها إلى حدّ دفع بالبعض لتناول كميات هائلة من ال?وم، أو شرب ثاني أكسيد الكلور لا تقاء الإصابة بالمرض، حتى أنّ البعض آمن بانتقال الفيروس عبر موجات الجيل الخامس للإنترنت من خلال الأجهزة الذكية، بل إنّ منظمة الصحة العالمية خرجت بالكثير من التصريحات النافية لكثير من المعلومات المنسوبة إليها، وها هو مسلسل الشائعات يمتد ليطال اللقاحات المضادة للفيروس ليُقرِن البعض بها الكثير من المعلومات الخاطئة، والتي تبدأ من رفض تلقي المطعوم بناء على اعتقادات تتعلق بقدرة اللقاح على التلاعب بالخريطة الجينية، أو إدخال أجهزة تتبع متناهية الدقة، أو تسبُبِه في العقم لدى النساء، أ? مرافقة أعراض جانبية مؤثرة، وجميعها أمور يمكن تفنيدها ابتداء من أبجديات علم الأحياء، ناهيك عن الجهود التي تبذلها الجهات المعنية باستمرارية الاطلّاع على مستجدات ما يطرأ من معلومات خاصة بلقاحات الكورونا، وما يبذله العديد من الأطباء والعلماء حول العالم لدحض الأخبار الكاذبة حول اللقاحات، بهدف الوصول إلى حالة من الوعي الكافي لتجنب الإصابة بالمرض.

واليوم فإنّ المعركة مع الفيروس التاجيّ المستجد تنفتح على جبهة أخرى والتي تتمثل بتحصين النسبة الأكبر من الأفراد ضد هذا المرض، وهنا فإنّ الشائعات والمعلومات الخاطئة تبدأ باتخاذ مواقعها القتالية الخفية أمام إجراءات التطعيم، والتي لم تقتصر على رفض عملية التطعيم، والتشكيك بكفاءة بعض المطاعيم، والمقارنة فيما بينها، بل والتعامل مع الشخص الذي تلقى المطعوم على أنه حامل للمرض ينبغي اعتزاله أو عزله لفترة من الزمن، ضاربين بالمبدأ العلمي للتطعيم عُرض الجدار، فالأصل أنّ عمل اللقاحات يقوم على مبدأ تعريف الجسم بمُسبب المر?، وإنتاج استجابة مناعية ضده، وهي ألِف باء التطعيم التي يدرسها الطلبة في المراحل المدرسية المتوسطة.

إنّ ما يجول في المجتمع من تفاعلات مثارها فيروس كورونا واللقاحات المضادة، تدفع إلى التأمل في الطريقة التي يتّبعها الأفراد في التفكير، وهو على الأرجح سبب قوي في الموقف الذي نواجهه اليوم من ارتفاع أرقام الإصابات والوفيات إلى الحدّ الذي تطلب زيادة في مستوى إجراءات المواجهة، وإنّ التأمل في الموقف الراهن لا يرتبط بالضرورة بالمستوى العلمي البحت، وإنما بمستوى الوعي الذي يشكّل وجود الفرد، فالأفراد يخوضون حرباً نفسية بسبب سرعة انتقال الفيروس، وتحوّر سلالاته على نحو أكثر خطراً، ما خلق حالة من الترقب المحسوم بحتمية ال?صابة، وبالتالي الشك في مدى جدوى الوقاية وإجراءات السلامة، مما أوجد ردة فعل بديلة للقلق والخوف بالاستخفاف بالوضع القائم بشكل ما.

لقد أوجدت الجائحة بيئة مشتركة على مستوى المجتمعات عبر الكوكب، البيئة ذاتها أوجدتها على مستوى المجتمع المحلي الواحد، فمواجهة المرض تتطلب وحدة الجهود الرسمية والشعبية معاً، وإنّ وعي المجتمع بأهمية تلقي اللقاح والحث على التقدم لتلقيه، أمر يتصل بالمسؤولية الأخلاقية التي شكّلت عنواناً بارزاً في الحرب ضد الوباء، وهنا فإنّ على المؤسسات الإعلامية المختلفة، والمنصات الرقمية الاجتماعية أن تلعب دوراً محورياً في تفنيد الأخبار المُضلِلة، والاحتكام لأهل الاختصاص في ذلك، وهنا فإنه يمكن اعتبار ربط تلقي المطعوم بإعطاء الحو?فز المشجعة أمراً صائباً، وبخاصة في ظلّ الضيق النفسي الذي يعيشه الأفراد جراء تداعيات الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي يستدعي من الجهات الرسمية بذل أقصى الطاقة لتوفير اللقاحات بالكميّات التي تغطي حاجة مختلف الفئات المستهدفة، فكلما ازدادت نسبة المتلقين للقاحات، كلما ازدادت الثقة بالقدرة على تخطي الحالة الوبائية الحرجة، واحتواء الفيروس في أضيق نطاق ممكن، وبالتالي فإنّ الوعي الذي نتحدث عنه يتحوّل إلى سلوك يسهل انتشاره بين الأفراد، بل اثراؤه وتطويره بخبراتهم المكتسبة، وهو ما يدفع باتجاه تشكيل الإطار الع?م للوعي المجتمعي، والذي يساهم بشكل كبير في نقل المجتمع إلى مرحلة أخرى أكثر تطوراً واستيعاباً ومرونة للتعامل مع مختلف القضايا الحياتية المستجدة.