رُبا الناصر

(كاتبة أردنية)


الطابور أمام المصعد الكهربائي ما يزال طويلًا ومزدحمًا بالناس، الساعة كادت تبلغ العاشرة صباحًا في جوّ ملتهب، فنحن في منتصف شهر آب الذي يستعرض لهيبه ولفحاته الساخنة في هذا اليوم بالتحديد.

جئتُ إلى الدائرة الرسمية كي أنجز معاملة ورقية مهمة بعد أن تعذّر تأجيل ذلك، وقد وافق المدير على أن أحصل على إجازة بعد إلحاح طويل مني.

"إنني أتوهم".. هكذا حدّثت نفسي بعد مشاهدتي هذا الطابور.

بعد استسلامٍ قررت استخدام السلّم وتحمُّل عناء صعود الطوابق على قدمي التي كادت تتكسر بمجرد أن وطئت أرضية الطابق السادس. كان الطابق يعج بالمراجعين على اختلاف طلباتهم، وصوت صدى وقع أقدامهم يرجع كصوت الرعد!

كانت أول خطوة حتى أصل إلى سلّم النجاح في إنجاز المعاملة، أن أترك اسمي وطلبي عند موظف دوّن بياناتي سريعًا، ثم طلب مني أن أنتظر دوري في الصالة الكبيرة حتى أدخل إلى المدير.

في تلك الصالة، اصطفّ المراجعون على الكراسي كلّ ينتظر دوره في الدخول إلى غرفة المدير، بينما يجلس (الكاتب) خلف مكتب صغير من الخشب (الفورمايكا) يقع أمام غرفة المدير، مرتديًا قميصًا أزرق اللون بهتَ لونه من فرط الغسيل، تتكوم أمامه المئات من الملفات، يمسك ملفًّا يفتحه بيده اليمنى ويختمه بيده اليسرى. كان يقوم بعمله كرجل آلي لا يفكر أبدًا أن يتفحص الورق الذي يختمه، فجُلّ مهمته: ختم الأوراق.

نظرت مطولًا له، لم يكترث لأحد أمامه ولم يرفع رأسه عن الملف، حتى إنه لا يرد التحية إن ناداه أحد بها، هو فقط يفتح الملف، يختمه، ثم يغلقه ليفتح الملف الذي يليه.. وبعد خمس دقائق من التحديق، ضجرت مللًا بالنيابة عنه، أقسم أنني لا أتحمل تأدية مهمته لدقيقة واحدة!

بدوره، كان باب غرفة المدير مغلقًا، يفتحه معاونه عندما ينادي على أسماء المراجعين حتى يدخلوا إلى الغرفة، كان يصيح عاليًا مثل الديك الذي يخرج من بيته في ساعة الحائط الخشبية، فذاك يصيح عند كل ساعة معلنًا مرور الوقت وهذا يصيح بأسماء المراجعين، بالإضافة أنه يضع ملفّ كل مراجع عند خروجه أمام "الكاتب" ليقوم بختمه!

لم تفلح المراوح المعلّقة على الحائط في دفع الجو الحار بعيدًا، بل زادت الجو سخونةً لسعت وجوهنا ونحن ننتظر بضجر، فلا مجال للتسلية هنا سوى تصفح جهازك المحمول أو الثرثرة مع أحد المراجعين أو التحديق -دونما سبب- في المراجع الذي أمامك!

مضى بعض الوقت ولم أسمع اسمي، كنت أنظر في ساعتي، كانت عقاربها تتسابق في ما بينها ليمر الوقت، لكن مضت ساعة.. ساعتان.. ولا شيء تغيّر سوى قطع التيار الكهربائي في المبنى بأكمله، ما زاد الطين بلة!

فتح معاون المدير الباب وصاح عاليًا حتى يسمع الجميع، معلنًا أن المعاملات ستتأخر إلى أن يتم إصلاح العطل الفني الذي تسبب بقطع الكهرباء، وقبل أن يغلق الباب وراءه وعد أن الأمر لن يأخذ أكثر من نصف ساعة. هززت رأسي مستسلمة، فأنا أعلم هذه الوعود جيدًا، لكن ما بيدي حيلة سوى الانتظار.

توافد المزيد من المراجعين الذين صعدوا على السلم، بدا ملح عرق أحدهم ظاهرًا تحت إبط قميصه، وفاحت رائحة عطر رجل آخر وقد اختلطت بالعرق فأزكمت أنفي، ووصل رجل يطوي الصحيفة مستخدمًا إياها كمروحة.

بدأ الجميع بالتذمر والشكوى من طول الانتظار، إلا أن "الكاتب" واصل ختم الأوراق كأن شيئًا لم يحدث. حتى إن شكا أحد المراجعين أو أعلن عن غضبه، كان يكتم ضحكته ويكمل عمله.

مضى أكثر من نصف ساعة فانشغلتُ بتأمل محاولات بائسة لذبابة في الخروج من النافذة، بعد محاولات عدة استطاعت الخروج من ثمة فتحة صغيرة، شعرت بالغيظ لأن ثمة حشرة استطاعت إنجاز مهمة وأنا أقع تحت رحمة الإصلاح الفني!

لم أعد أحتمل أكثر، فالحر ازداد مع تزاحم الناس، حتى شعرنا بأن الشمس عُلّقت على السقف، وصوت الختم وهو يضرب على الورق كان كالنقر في رأسي. وأضيف إلى ذلك علو أصوات المراجعين وشجار آخرين وبكاء طفل ضجر من الملل مثلي والعرق الذي فاح في الأرجاء وطغى على المكان كله، وما زاد الأمر سوءًا تلك المراجعةُ التي حلّت علينا وكأنها زائرة من كوكب آخر، فقد بدا من لباسها أنها تنحدر من طبقة مخملية.. كيف لا، فعطرها الفرنسي الفواح الذي طغى على رائحة العرق في المكان، ونظارتها الشمسية ذات الماركة العالمية، أظهراها كنجمات السينما وهي تمشي بخطوات واثقة بين جموع الناس الذين نظروا إليها كيفما ينظر الحيوان المفترس إلى فريسته قبل الانقضاض عليها.

كل ذلك كان كفيلًا بأن أحسم الأمر وأغادر المكان سريعًا، عندها فتح معاون المدير الباب وصاح فرحًا بأن الكهرباء قد عادت، وبدأ بمناداة اسم أحد المراجعين و"الكاتب" يهز رأسه إعجابًا كاتمًا ضحكته ومستمرًّا في ختم المزيد من الملفات دون أن يرفع رأسه أو يتلفّت لأحدهم.

وبينما كنت أهمّ بالنهوض بدأ ضميري يؤنبني في تبديد ساعات الانتظار سدى من دون أن أحظى بالتوقيع على المعاملة والحصول على الغاية المنشودة، فاستجبت لطلبه في أن أعاود الجلوس على الكرسي معلنةً هدنة سلام مع هذا المكان إلى أن أنجز معاملتي على الأقل، فللحظة لم أعد أكترث لكل الضوضاء حولي.. حتى رائحة العرق اعتدت عليها.. وكل همي الآن أن أنجز معاملتي، فلا مزيد من الوقت لدي.

إلا أن اللحظات الهادئة تمر سريعًا، انقطع التيار الكهربائي مجددًا واشتعل الناس غضبًا وبدأوا في الشجار مع أحد الموظفين الذي طالبهم بالتزام الهدوء مهددًا باستدعاء رجال الأمن، فنهضت ومشيت بغضب غير مكترثة لتأنيب ضميري، تاركة ورائي ذلك الكاتب الذي ما يزال يختم الأوراق وهو يكتم ضحكته وتلك المراجعة ذات العطر الفواح وهي تلوح بالصحيفة يمنة ويسرة بتأفف عسى أن تحظى ببعض النسيم العليل هنا.

وما هي إلا لحظات حتى كنت أحرك يدي لسائق سيارة الأجرة، وعدت أدراجي إلى منزلي وسط موجة حارة كانت وطأتها أخفّ عليّ من وطأة أحداث ذلك الطابق!