كتاب

دعوها.. فالدولة لا تـخرق دسـتورهـا

في وقتٍ كنا ننتظرُ فيه بياناً يدعو لرصّ الصفوف والتضرع لله أن يجنب بلدنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن نتفق جميعًا، أحزاباً وأفراداً وتجمعات على كلمة سواء فيما بيننا لئلا نؤتى من قبلنا ولا من خلفنا، وأن تبقى المملكة غالبة على أمرها وتؤتي كل حين أُكل جهدها وكفاحها بإذن ربها، يطالعنا حزب جبهة العمل الإسلامي ببيانٍ من نوع آخر وإذا بدولتنا – على حدِّ قول البيان – تسمح باعتداء صارخ سافر على سيادتها.

فيا للهول وما العمل بعدما أصبحت أميركا تصول وتجول بين ظهرانينا وعلى أراضينا وفوق أجوائنا، وبتنا مذعنين لها لا حول لنا ولا قوة، فلا نحن دولة ولا نحن نملك مقومات الدفاع عن أنفسنا وقد أسلمنا لواشنطن الجمل بما حمل، و«ربنا يكثر خيرها اللي خلتنا فقط نضع توقيعنا» فأيُّ بيانٍ وأي هراء وأي افتراء.

يأخذ بيان حزب جبهة العمل الإسلامي على الدولة ممارسة حقها في توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الولايات المتحدة الأميركية، ويتفنن محرر البيان الذي صاغه في توظيف العبارات في غير مكانها الصحيح لاعتبارات ومآرب لا طائل منها ولا مكان لها من الإعراب إذ لم تعد تخف على أحد خاصة إذا ما أمعنا النظر في التوقيت المقيت للبيان الذي عمد إلى تشويه صورة الحكومة وهي «تُذعن» لأميركا وتسمح لها بالاعتداء على حقوق المواطنين بشكل يخالف القانون والدستور بشكل صريح ثم يبتعد البيان الفصيح إلى ما هو أبعد من ذلك بادعاء أن الاتفاقية ستلقي ?ظلالها على علاقات الأردن مع دول الجوار الإسلامي، وأحسب أنه لم يبق للحزب إلا أن يقول أن الحكومة الأردنية قد «باعت» الأمة وقبضت «ثمنها».

نردّ على البيان بمثله، وننادي بكل مواطن حرّ ألا يلقي لمثل هذه البيانات الفارغة آذانًا صاغية، فالدولة الأردنية التي قامت على مبادئ ثورتها العربية الكبرى وسالت دماء مؤسسها عبدالله الأول على جنبات الأقصى، وصاغ لها الحسين بن طلال نصر كرامتها وتعريب قيادة جيشها، ثم ولج بها الفتى القرشي عبدالله الثاني عهدها الرابع، يحفظ تراثها ويعزز حضورها ويعلي مكانتها ويرعى جيشها ويذود عن فلسطين ويحمي المقدسات، هي دولة حرّة لا تتنازل عن سيادتها ولا توقع اتفاقية تكون فيها الحلقة الأضعف ولا تُسلم رايتها ولو كانت دماءها على راح?ت يديها.

ألا ليت نفسي يا حزب جبهة العمل ماذا نقول وكيف نكتب، أولسنا اليوم أحوج ما نكون إلى وثبة وطنية وماذا عن حزبكم لو تبناها وكان ربّانها ودعا الناس إلى التمسك بها لنستمد منها العزم والإرادة، والثقة بقدرتنا، على مواجهة التحديات والصعوبات، وصناعة المستقبل، الذي يكون فيه الأردن، المثل والقدوة، في الأمن والاستقرار، والقوة والازدهار، وتوفير الحياة الكريمة، لكل مواطن ومواطنة في هذا البلد.

حريٌّ بنا اليوم التذكير أن العلاقات الأردنية الأميركية علاقات تاريخية ممتدة واستراتيجية شاملة لمختلف النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية، وهي علاقات قامت على المصالح المشتركة والمتبادلة بين البلدين الصديقين، وأنها ومنذ أن تأسست في النصف الثاني من القرن الماضي ما زالت إلى زمن جلالة الملك عبدالله تزداد نموا ورسوخا وثباتا لما فيه تحقيق مصالح الشعبين على أسس واضحة من التفاهم والمكاشفة والسعي نحو ترجمة مبادئ وتعاليم الشرعية الدولية ومواثيقها إلى واقع حي لنشر السلام والحرية والاستقرار بين المجتمعات البشرية د?ن استثناء.

لقد اتسمت العلاقات بين البلدين الصديقين بالموضوعية والمصداقية والاحترام المتبادل وتفهم كل طرف لخصوصية الطرف الآخر سياسيا وحضاريا، فالولايات المتحدة تحترم الأردن ديانة وتاريخا وثقافة وتقاليد، وكذلك طبيعة الرسالة الإسلامية والقومية العربية التي انبرى الأردن للدفاع عنها منذ فجر ثورة العرب الأولى في بدايات القرن المنصرم، وفاء والتزاما بالجذور الهاشمية الراسخة لهذا البلد العربي الهاشمي الضاربة حتى سبط سيدنا محمد علية السلام، وبالمقابل فان الأردن يقدر عاليا ويحترم المبادئ التي قامت على أساسها الولايات المتحدة?الامريكية منذ قرون من الزمن.

في عهد الملك عبدالله الثاني ابن الحسين تميزت هذه العلاقات بأن قامت على أساس تحقيق المشتركة لكلا الجانبين، وكانت ولا تزال الحوارات واللقاءات التي يعقدها قادة البلدين في واشنطن وعمان بين الحين والآخر تعتمد صواب الرؤية والنقاش البناء في الوصول إلى أفكار ومقترحات تترجم الآمال والتطلعات الشعبية في العالم في بناء مجتمع إنساني يتمتع بالسلام والأمن والاستقرار. وقد حرص جلالة الملك على تعزيز علاقات الأردن بالولايات المتحدة والعالم على حد سواء، وحمل جلالته الهم العربي إلى واشنطن والكونجرس والمنتديات والجامعات وأقطا? السياسة ورجال الإعلام الأميركيين وأكد في زياراته و لقاءاته المتعاقبة على ضرورة قيام الولايات المتحدة بمسؤولياتها التاريخية ومساعدة الشعب الفلسطيني على إقامة دولته المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني.

تلكمُ إذن هي الحقيقة الجلية، لا لُبس فيها ولا غموض ولا جدال، وإن كان جدالا فليكن بالتي هي أحسن كما أمرنا بذلك ديننا الحنيف وتعاليم نبينا العربي الهاشمي فلا ندّعي ما لا أساس له، ولنتبيّن قبل أن نصيغ بيانا لا تنطلي كلماته على كل ذي لبّ حكيم.

ولله الأمر من قبل ومن بعد