الانتماء هو إعلان الولاء والانتساب والارتباط المباشر بشيءٍ ما، مكان أو فكر أو عقيدة أو شخص معين.. الخ وما اريد ان اركز عليه بهذه العجالة هو الانتماء والولاء للأوطان عبر علاقة ابدية ترتكز على حق وواجب.. علاقة ذات معايير راسخة ابدية لا تتغير وهي اوسع من نطاق الانتماءات الضيقة لفكرة او شخص او عشيرة.. الخ وبغض النظر عن كمية التنظير للتعبير عن الانتماء للأوطان من خلال التغنّي بها ليلا نهارا ترافقها سحجات ودبكات وعروض الأزياء والأكلات الشعبية كمظهر من مظاهر «الانتماء» الذي يُعَدّ بمثابة تنظير ل «مبدأ» كفكرة صماء نعتز بها لكن «الموقف» هو الأهم كونه الترجمة والتطبيق لهذا المبدأ على ارض الواقع وهو «الإنتماء الحقيقي».. وللأسف اصبحنا لا نرى سوى النزر اليسير يُطبّق فعليا فكم حاولنا مثلا اقناع الجميع بأهمية إتقان الأعمال المنوطة بنا كأكبر دليل على انتمائنا لأوطاننا والولاء لها.. واللازم لتنميتها ونموها وتقدمها ذاكرين متذكرين امثلة كماليزيا وسنغافورة اللتين انطلقتا عاليا من مستنقعات العدم ونهضتا من خلال تطبيق انتمائهم على ارض الواقع. فما أحوجنا الى الاحتذاء بأمثلة كهذه بظل جائحة كورونا حيث تجلّى للأسف عدم الانتماء الحقيقي بغياب تطبيق الالتزام بلوازمه من كمامة وتباعد جسدي والغاء التجمعات مما ينعكس سلبا على الوطن صحيا واقتصاديا..الخ بالمناسبة ففي الأزمة الاقتصادية التي عصفت بكوريا الجنوبية عام 1997 فقَدَ مليون كوري عملهم وباتت الدولة على حافة الإفلاس بسبب مديونيتها العالية لصندوق النقد الدولي فأبلغت الدولة مواطنيها بأنها بحاجة للاقتراض لسداد ديونها فما ان سمع الشعب بذلك حتى انطلقت حملات شعبية للتبرع بالذهب فسارعت النساء للتبرع بمصاغهن والرياضيون بميدالياتهم وكؤوسهم والأطفال بحليّهم البسيطة ولم تمض ثلاثة ايام حتى تم جمع 10 أطنان من الذهب لتصل بعد ثلاثة شهور الى 7 22 طنا من الذهب بكمية اعلى بكثير من المتوقع ليسددوا 20 مليارا ديونهم للصندوق بعام 2000 لتصبح كوريا بعدها من دول العشرين ومن اكبر الاقتصاديات.. علاوة على ان الثقافة الكورية وفلسفتها العملية لا تعتمد على جمع التبرعات حتى لو كانت «داخليا» فهي تنأى بنفسها عن الاقتصاد الريْعي المهلك للشغف والمجفف للحماسة والقاتل للابداع فتاريخها المتوارث يؤكد تشبثها بإرث من الجد والاجتهاد واتقان العمل بالرغم من استنزاف احتلال اليابان لها لسنوات طوال ثم حربها مع كوريا الشمالية.. لكن مصانعها عملت ليلا نهارا لاحلال الصادرات بدلا من الواردات فارتفع نموها واحتلت موقعا عالميا باقتصادها.. ونتذكر كلمات تشيرشل رئيس وزراء بريطانيا بالحرب العالمية الثانية عندما اوشكت على الهزيمة (اذا كنتَ ذاهبا الى الجحيم فتابع المضيّ فيه) بخاصة في ظل توقف مصانع الطائرات الحربية لشح بمعدن الألمنيوم فكلماته اشعلت حماسة النساء البريطانيات فتبرعن بكل طناجر وقلايات المطبخ الألمنيوم لمصانع الطائرات كما انهن لعبن ادوارا كبيرة بالحرب على الصعد كافة مما ساهم في دعم المجهود الحربي بينما جملة تشيرشل تتردد بأذهانهن: «لا تستسلم ابدا ابدا ابدا».. تُرى: اين انتماؤنا من هذا كله؟. لشدة ما نخشاه فقط: كيف سنطبخ المنسف بدون طناجر!! hashem.nadia@gmail