رغم تطور آليات واستراتيجيات إدارة القطاع العام في الدولة بسبب ما يستجد من نظريات ومبادئ في علوم الإدارة العامة إلا أن هناك مجموعة من الثوابت التي لا بد من الأخذ بها كمعايير تضبط الإدارة الحكومية وتمنع انزلاقها عن الهدف الذي تسعى لتحقيقه ضمن منظومة الدولة الحديثة، إضافة لدور هذه المبادئ الإدارية الثابتة في تنفيذ إصلاحات جوهرية لتطوير هذا القطاع.

في مقدمة هذه الثوابت اختيار القيادات الإدارية على جميع المستويات وفق تشريعات وقوانين تنفذها مؤسسات مستقلة معنية بالتعيين، وتتم وفق آليات تمتاز بالشفافية والمعايير عالية الدقة، أما الموظفين الذين هم على رأس عملهم فيفترض ضمان ديمومة تدريبهم وتأهيلهم وربط الترقيات والحوافز بمستوى التأهيل الوظيفي الذي أحرزه الموظف.

ويرافق عملية التأهيل والتدريب المستمر تقييم متواصل للأداء ووفق مقاييس نزيهة وشفافة تراعي معايير علم القياس الحديث كالموضوعية وتقييم الشركاء ومتلقي الخدمة، إلى جانب تفعيل الرقابة والمسألة وتعميق سياسة الثواب والعقاب.

إلى جوانب هذه الثوابت الإدارية التي يعي الجميع دورها المهم في تطوير القطاع العام فقد قدمت التكنولوجيا الحديثة وأدواتها المتعددة وسائل فعالة لتطوير وإدارة هذا القطاع ومؤسسات الخدمة العامة، كالمنصات الإلكترونية وأجهزة المراقبة وربط دوام الموظفين ومغادرتهم مكان العمل بنظام الرواتب ونظام شؤون الموظفين، وكذلك تقديم إحصاءات دقيقة لحجم المعاملات المنجزة وتقدُم سير العمل في الأقسام والدوائر، إلى جانب البرامج الحاسوبية الحديثة التي تستخدم في تنفيذ وتفعيل الأنظمة المالية والإدارية والقانونية.

الواسطة والمحسوبية والتي حذر منها جلالة الملك مراراً تتسبب في الضغوطات والتدخلات التي تشوه اختيار من يشغل الإدارات الحكومية وتحول دون إتاحة الفرص للكفاءات الوطنية لتبوؤ المواقع الإدارية في كافة المستويات، الشيء الذي يولد الإحباط ويكون مدعاة للترهل وضعف منظومة الإدارة.

التجارب العالمية الناجحة في تطوير وإصلاح القطاع العام في الدولة ارتكزت بشكل أساسي للتشريعات التي تحاصر الفساد والمحسوبية، وتحرص على استقلالية الجهات التي تضبط تنفيذ هذه التشريعات، بموازاة إنشاء مؤسسات تعنى بإنتاج كفاءات إدارية مؤهلة ومدربة، ويتم تنفيذ هذه الإجراءات ضمن معايير منظومة سيادة القانون في الدولة، وتقليص صلاحية المدراء وتوسيع صلاحية مجالس الإدارة، وصيانة قرارات هذه المجالس من الضغوط والتدخلات التي تؤدي إلى انهيار منظومة القطاع العام.

Rsaaie.mohmed@gmail.com