لم يكن نصحاً عبقرياً ذاك الذي نُشر على لسان مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في ثمانينيات القرن الماضي بقولها إن «الحكومة الأقل حجماً هي الحكومة الأفضل» فقد كانت قد قطعت شوطاً واسعاً في تبني سياسات مدرسة شيكاغو الاقتصادية الداعية لتقليص دور القطاع العام فخصخصت المناجم والسكك الحديدية تحت ستار تعزيز الاستثمار وبالتالي تحقيق الازدهار..! أما استثمار ماذا..! أو ازدهار مَن فهناك أكثر من جواب مختلف عليه!؟ وقد استجابت بعض الدول للدعوة لكن تاتشر لم تكن راضية تماماً على حكومة أفريقية ناشئة قلصت عدد موظفيها إلى ال?صف وبقيت تعمل بكفاءة أكبر وكلفة أقل دون ان تغتصب الصلاحيات والواجبات الحكومية وتوزعها على شركات ومؤسسات القطاع الخاص! وكانت تاتشر تعرف ولا تحب ان تعترف بأن كثيراً من الدول النامية تضطر أحياناً لاستخدام أعداد كبيرة من مواطنيها في أجهزتها الحكومية كمجال وحيد لتوفير فرص العمل وإلا تفاقمت البطالة ومضاعفاتها الاجتماعية وتبعاتها السياسية المهددة لأنظمة الحكم نفسها، ولعل بلدنا ضمن هذا السياق يصلح نموذجاً لدراسة حية على الطبيعة إذ شهدناه يتكون أمام أعيننا عبر مئة سنة وكثير من الوظائف الحكومية تُبتدع خصيصاً كملاذ ل?تشغيل واحياناً مكافأةً على الولاء..

ورغم التقدم الكبير المحرز في شتى ميادين الحياة الأردنية استمر هذا النهج حتى بلغ درجة الترهل الذي غمز البعض من جانبه أخيراً كأحد أسباب التعثر في إدارة الجائحة وصولاً إلى خطيئة انقطاع الاوكسجين عن مرضى كورونا في السلط وقد ارتكبت في مستشفى واحد من عشرات المستشفيات التي تقوم بمثل هذه الوظيفة الدقيقة منذ عقود بكل أمانة وكفاءة ولا تشكل ظاهرة عامة تقلقنا وسوف يكشف القضاء المخطئين ويعاقبهم..

صحيح أن الترهل انحراف إداري لا يجوز السكوت عليه وعلى ما يخفيه من محسوبية وفساد وجهوية وعشائرية وترضيات سياسية، لكنه ليس جديداً فاجأنا فنحن نمارسه منذ مئة عام، ولعل في ذهن كل منا أمثلة لا تحصى، أما المثل الأكثر فداحة في تاريخنا الإداري فقد افتضح امره ذات يوم من عام 1990 بعد حل المؤسسة الطبية العلاجية وإعادة موظفيها الى أماكنهم السابقة في مستشفيات وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والجامعات الأردنية وبقي منهم آلاف كانوا قد عُينوا دون التقيد بنظام الخدمة المدنية فحُمِّلوا كلهم دفعة واحدة على ظهر وزارة الصحة?

وبعد.. إنّ ما نادت به مارغريت تاتشر قبل عقود مازالت تعمل على تنفيذه حكومات كثيرة يهيمن عليها الليبراليون الجدد فقد خصخصت أميركا مثلاً الكثير من أجهزتها الحكومية الراسخة في جميع دول العالم حتى في مجال الأمن والعدل ووصلت إلى السجون فأصبحت كالفنادق بحاجة، لكي تحقق مزيداً من الأرباح، أن تزيد عدد نزلائها ولو بقوانين تُصطنع لتجريم من هب ودب!

وعندنا، فاقمنا إنشاء المؤسسات المستقلة حتى نافت على السبعين..

ترى من يحزر اسم آخر واحدة وأين «زرعت»؟!