كتاب

نذير عبيدات

الحديث عن الأشخاص المميزين والمقربين يكون صعبا أحيانا، خصوصا عندما تصبح الظروف حكما مؤثرا بمسار الواقع المستجد، ولكنني، لا أجد صعوبة بالتحدث عن شخصية وطنية كان لها دور مهم وتضحيات مقدرة جدا لعبور الوطن حربا شرسة ضد وباء البشرية، واتحدث هنا عن الصديق والزميل ورفيق الدرب الدكتور نذير عبيدات؛ الإنسان، العالم، الطبيب، الإداري، الذي اقترن اسمه ودُوِن بفترة حرجة من تاريخ الدولة الأردنية المعاصر، فقد كان الناطق الرسمي باسم اللجنة الوطنية لمكافحة الأوبئة، ثم استلم مهام وزارة الصحة استكمالا لمرحلة قيادة الجيش الأبيض بالميدان، لينال استراحة فرضها واقع مؤسف بحادثة مستشفى السلط، بتقديمه استقالة أدبية وأخلاقية من موقعة، لوقوع هذا الحادث المؤلم، خطوة تمثل قمة الجرأة والمنطق والقوة، كانت لنا أمنية لملامستها لأحداث سابقة، لكنها لم تطبق على أرض الواقع، فكانت خطوة صحيحة بمنطق المسؤولية العامة، ولكنها خسارة وطنية لجهود هذا العالم الجليل بهذه المرحلة الصعبة من سنواتنا.

سأتحدث عن نذير عبيدات للتشابه الكبير بين ظروفي وظروفه بكل مراحلنا الحياتية، فهو الشاب الطموح المولود ببيئة ريفية لعائلة طموحة، تربى ورضع حبا، اجتهد بعلمه وتحصيله، ليدرس الطب البشري خارج حدود الوطن، ويعود متحمسا لخدمة مجتمعه، حيث أنهى سنوات خدمة العلم في المدرسة العسكرية التي تعلم الرجولة وترسخ معنى الإنتماء، والتحق بعدها ببرنامج الإقامة في مستشفى الجامعة الأردنية، وتدرج بالنجاح والتميز، ثم التعيين كمساعد تدريس لأجل الإيفاد، وكان المميز بمساق تعليم بدء الحياة السريرية لطلبة كلية الطب في السنة الرابعة كل عام التي تحتاج لصرامة بالأداء، ليبتعث على نفقة الجامعة الأردنية موفدا من كلية الطب لإحدى الجامعات الأسترالية المتقدمة والتخصص الدقيق بالأمراض الصدرية، ويعود للعمل والتدريس والتدرج بالرتب الأكاديمية حتى درجة الأستاذية، التي رافقها تدرج بالمناصب الإدارية؛ رئيسا للشعبة بالقسم، رئيسا للقسم بالكلية، عميدا للكلية بالجامعة، أستاذا متميزا وممارسا باهرا وشافيا ببلسمه، ولن أنسى فضله، عندما أشرف على علاجي أثناء وعكتي الصحية منذ سنوات، حيث ابتسامته وهدوءه ومحياه الذي ينطق بالطمأنينة.

رحلته لم تكن معبدة أو سهلة، فقد زاملته بالإقامة في المستشفى، ثم برتبة مساعد التدريس للإيفاد، وتشرفت بخوض سنوات التخصص الدقيق برفقته في سدني/ أستراليا، وعدنا لنعمل معا في الجامعة والمستشفى، وقد أقسمنا أن نخلص بعلمنا وأدائنا، حيث القدر، لأنه سلاحنا الأوحد لإثبات الذات، وتوفير الحماية من غزوات الحقد المبرمجة والعفوية والحاسدة التي رافقت المسيرة حتى الحاضر، فلم نسلم من سهام الغدر والإحباط ومحاولة النيل والتحجيم، ولكننا الأقوى لإيماننا بحراسة ربانية، فنحن على ثقة وإيمان بأن مهنة الطب مهنة إنسانية وأخلاقية وعلمية، تميزت بين المهن بتقاليد كريمة وميثاق شرف وقسم مزاولة المهنة، وقد اقسمناه بمراحل التدرج، ونمتلك مواصفات ومواهب تؤهلنا، فالشفقة والرحمة والرفق بالغير والنزاهه وحب التضحية لخير المجتمع، كنا نختلف بمجلس الكلية، ونجتهد، حيث الغيرة على المصلحة العامة للجامعة والطلبة ترفع سقف وتيرة الخلاف، وتعلو أصواتنا نبرة وزمجرة، ليحسم الأمر بالتصويت، ونخرج لمكتبه المجاور نحتسي القهوة وفتح ملف ذكريات حلوة ومرة.

أخي نذير: لقد أعطيت وأوفيت، وكنت الأمين بعملك وعلمك، وموسم إعلان الحقيقة قادم عبر الأيام، والقضاء سيقول كلمته لينصف الجميع، فلا عليك من أصوات تهاجم الناجحين، وتأكد يا أخي بقناعتي، بأنه لن يظلم أحد ببلد الهاشميين الذي يحكمه عبدالله بن الحسين، فلك محبتي بانتظار عودتك للكلية والمستشفى لنكمل المشوار المهني والأكاديمي حيث نتميز، فنحن قد نذرنا أنفسنا للوطن بمهنتنا الإنسانية وللحديث بقية.