الإصلاح لا يأتي الا دفعة واحدة، ولا يمكن تجزيء ملفاته الى اقتصادي أو اجتماعي أو اداري من دون فتح باب الإصلاح السياسي ومعالجة الخلل بكل انعكاساته، والاعتراف بهذه الحقيقة البسيطة، هو أول خطوة في السير على درب الإصلاح الذي تحتاجه بلادنا ويستحقه أهلنا وإرث أجدادنا.
مفاتيح الإصلاح بسيطة عموماً، كالعدالة في توفير الفرص، والشفافية والحق في الوصول للمعلومة، إضافة الى خضوع الجميع للمحاسبة، فما سبق يختصر الكثير من أشواط في مسيرة الإصلاح، أما المعادلة التي تحكم مزاج الإصلاح فهي معادلة «التوازن» بين المجتمع القوي المشتبك مع قضاياه والقادر على مساءلة مسؤوليه والمشاركة في الحكم ورسم السياسات، والدولة القوية الراشدة، التي تفرض النظام والقانون على الجميع وتوفر الأمن والحاجات والخدمات الأساسية كالتعليم والصحة لمواطنيها بجودة عالية.
لكي يكون تنظيرنا واقعيا، يجب الاعتراف بأن طريقة تشكيل الحكومات وتعديل فريقها الوزاري لا يتماشى مع شروط الإصلاح ومفاتيحه، وكذلك الكثير من التعينات وتغييب العمل المؤسسي ذي النفس الطويل لصالح الفزعات الفردية المؤقتة، اضافة للجفاء بين مجلس النواب وحواضنه المجتمعية الطبيعية، وانشغال جل الناس بتفاصيل الحياة اليومية الصعبة عن الانغماس في الشؤون العامة الا اذا تقاطعت ملفاتها مع جوانب حياتهم بشكل مباشر، كحالة ملفات البطالة او الغلاء والفقر أو ضريبة الدخل والمبيعات وغيرها.
أول محطات قطار الإصلاح يجب أن تكون في مجلس النواب، فاعادة الثقة والوزن لهذه المؤسسة ضرورة قصوى، لإتاحة الأدوات اللازمة للمجتمع ليتشبك مع قضاياه ويطالب بحقوقه ويحاسب الحكومة ويراقبها عن طريق نواب متصلين بقواعد شعبية وازنة تراقبهم هي بدورها، وهذا يحتاج لقانون انتخاب يراعي سحب الصفة الخدمية عن النواب وتحويلها للمجالس البلدية والصاق صفة العمل السياسي بهم، لفتح الباب أمام ولادة التكتلات المتفقة على الرؤى السياسية وبرامج العمل المرتبطة بجداول تطبيق مرحلية وزمنية، هي لا غير من أوصلت أصحابها الى مقاعدهم تحت القبة.
ثاني المحطات يجب أن تكون في الرابع، حيث الحكومة القوية الراشدة المقيدة برقابة المجتمع عليها والملتزمة بخطط واستراتيجيات واضحة للعمل والانجاز تحكمها مواعيد مرحلية ونهائية لمراجعة هذه الاستحقاقات وتقييمها ومرتبطة بتحديد شخوص المسؤولين الاكفياء عن العمل على ملفاتها المختلفة لمحاسبتهم على النتائج، وهنا يجب التركيز على تقوية ثنائيات الولاية والمسؤولية مع المحاسبة والمساءلة، والشفافية مع العدالة في اتاحة الفرص لجميع مستحقيها بعيدًا عن الزبائنية وقواعد المنافع المتبادلة.
أما المحطة الثالثة فهي جهاز الادارة العامة الذي يعكس التصورات الحكومية العامة على أرض الواقع، هذا الجهاز يحتاج لإعادة هيكلة ملحة تخلق بيئة جاذبة للمتميزين وأصحاب القدرات والامكانيات والقيادات، للسيطرة على عجز هذه المؤسسات عن النهوض بواجباتها الوطنية الناتج عن افتقارها للقوى البشرية الضرورية، أما بالنسبة للضغوطات المالية فنستطيع تجاوزها عليها بزيادة الانتاجية وتقليل الهدر والبحث عن وسائل التنفيذ ذات الكفاءة القصوى والدمج في الأحوال الممكنة.
لكي ينطلق الإصلاح في بلادنا نحتاج الى إعادة بث الامل والثقة والايمان بمجتمعنا من خلال إطلاق مشروع وطني جامع تصطف خلفه البلاد بكل مكوناتها ومؤسساتها.