كلنّا يعرف قصة الذي كان يغرق فرآه أحدهم فأخذ يلومه على السباحة في مثل ذاك المكان الخطِر، فقال قولته المشهورة، التي صارت مثلاً: «أنقذني ثم لُمني».
وهذه هي قصّتنا مع القطاع العام.
في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كان القطاع العام مضرب مَثَل في كفاءته وانضباطه وفاعليته.
ثم أخذ، بدءاً من الثمانينيات بالتّراجع والتّردّي والترهّل، إلى أن صار الوضع على ما هو عليه الآن.
ولهذا عدة أسباب، من أهمها هجرة العقول منه إلى القطاع الخاص ودول الجوار طلباً لرواتب مُجزية، ومنها نقص الأموال اللازمة لتطوير أداء القطاع، ومنها توظيف من هم أقل كفاءة من غيرهم، وإغفال تدريبهم وتأهيلهم، ومنها الإدارة المُترهّلة، وغيرها من أسباب.
ومنها غياب روح التنافس وثقافة المساءلة.
نُذكّر بالطبع أن عدداً من المؤسسات ضمن القطاع العام تتسم بالرّقي ورفعة الأداء وسهولة الإجراءات ونجاعتها.
ومن المهم أن نذكُر ذلك حتى لا نُعطي الانطباع بأن الصورة كلّها قاتمة في القطاع، فهنالك بؤر مضيئة وهنالك تميز، وحتى لا نصل إلى النتيجة التي يريد البعض أن يوصلنا إليها، أي أن القطاع ميؤوس منه.
وهنا مربط الفرس.
ماذا فعلنا ونفعل لمعالجة مشاكل القطاع والعقبات التي تعترض سبيل أدائه وتمنعه من أن يكون بالمستوى المرجو؟.
المحاولات الحقيقية لإصلاح القطاع قليلة؛ ومعظم ما نقرأ أو نسمع أو نشاهد يكون من باب التباكي على الوضع وجلد القطاع والتلويح بالعقاب.
تماماً كما هو مشار إليه في قصة الغريق أعلاه.
المطلوب الآن ليس «لعبة اللوم»، فأسهل شيء في الحياة أن تلوم الآخرين وتنتقدهم. والأسهل هو لعب دور الجلاد.
المطلوب هو الإصلاح والتمكين أولاً.
القطاع بحاجة إلى وقفة حقيقية لإنقاذه مما هو فيه: خطط تطوير وتدريب وترشيق وتفعيل، وإدارات كفؤة فاعلة، إضافة إلى الأموال اللازمة لتوفير المُستلزمات.
وأهم شيء تغيير ثقافة اللامبالاة والرضا بالإنجاز القليل المتفشّية في القطاع.
العقاب لا يحل المشكلة، فهو في أحسن الظروف جزء من الحل لا الحل كله، وعادة ما تأتي المساءلة ويأتي العقاب بعد التمكين أو التطوير، أو بموازاتهما.
أمّا أن نكتفي باللوم، فهذا قمة الفشل.
مبدأ مهم إذن في التعامل مع الأمر: مَكّن ثم حاسِب؛ أنقِذ ثم لُم.
أنقذني ثم لُمني
10:39 21-3-2021
آخر تعديل :
الأحد