حاوره: محمد الحمامصي

(شاعر وصحفي مصري)


يكشف الديوان الوحيد للشاعر الراحل جريس سماوي (زلة أخرى للحكمة) عن موهبة أصيلة وتجربة راسخة تملك خصوصيتها بما تشتبك معه من تراث مسيحي وإسلامي، إذ تتجلى في قصائده مفردات ذات إيحاءات أو دلالات روحانية وصوفية وتاريخية.

تالياً مقتطفات من حوار واسع كنت قد أجريته مع سماوي على هامش إحدى الفعاليات الثقافية العربية، وتحدّث فيه باستفاضة عن تجربته الشعرية ورؤاه:

• حدّثنا عن البدايات والمؤثرات الأساسية التي شكلت ملامح تكوينك؟

- تشكلت هواجسي الإبداعية في فترة مبكرة من حياتي في بلدة من بلدات الشام لها صفة زراعية؛ "الفحيص"، التي تبعد عن عمان مسافة 12 كيلو متراً، بلدة زراعية تشتهر بكروم العنب والزيتون، ومسكونة بأساطير الفلاحين وحكاياتهم.

الرؤى البصرية الأولى والإيقاع السماعي الأول تشكّلا في الكنيسة، حيث الأيقونات والموسيقى الكنسية، واشتباك ذلك مع ميل فطري نحو التراث الديني سواء المسيحي أو الإسلامي، فقد بدأت في مرحلة مبكرة قراءة القرآن وتجويده.

أما التشكيل الثاني الذي لا يقل أهمية فهو مدينة نيويورك، هذه المدينة العجيبة التي يصفها الكاتب جون اشتانبيك بـ "مدينة التناقضات"، حيث الفضيلة والرذيلة والجمال والقبح في آن. هذه المدينة أتاحت لي الإطلال على مسارحها وصالاتها الفنية وشوارعها التي تضجّ بفناني الأرصفة والمغامرين، حتى إنك تلمح في بعض قصائدي بناء الصورة في الرؤى البصرية والموسيقية من زياراتي الكثيرة للمتاحف وصالات الموسيقى.

• كيف كان تأثير التراثين المسيحي والإسلامي عليك إبداعياً؟

- إبداعياً، أتعامل مع هذين التراثين بوصفهما تراثاً واحداً، أنا لست توفيقياً، وبالفعل أتعامل مع هذا التراث على أنه واحد، لأنك عندما تقرأ في الأديان القديمة وتقف أمام البوذية والزرداشتية وأديان الهنود الحمر والأديان القديمة يتضح أن التراث المسيحي الإسلامي تراثٌ واحد على الصعيدين الفلسفي والثقافي، وبالتالي كما ساهمت نصوص الإنجيل الروحانية في تشكيل الوعي الأول كذلك ساهمت الصوفية الإسلامية، وكأن هذين السياقين سياقٌ واحد.

• هذه الأجواء بما تحمل من ثقافة ظهرت على تجربتك، لكنها تجلت أكثر ما يكون في الموسيقى. هل لذلك علاقة باختيارك التفعيلة وإصرارك على وجود إيقاع موسيقي؟

- نعم، فأنا أعتقد أنني كائن موسيقي، والإيقاع كما أشرت جزء من تكويني، وهو بالمناسبة يكاد ينسحب على مجمل الحياة العربية، فهناك إيقاع في النثر العربي مختلف الأشكال، وهناك بالطبع الإيقاع الشعري، وهناك إيقاع في العمارة، وإيقاع في خطو الناس وصخبهم.. حتى نداءات الباعة المتجولين فيها إيقاع.. الإيقاع جزء من الروح العربية.

• لكن هذا الإيقاع لم تعد روحه قائمة في ظل الانهيارات المتتالية لكثير من جماليات الروح العربية..

- يبدو على السطح الآن أن هناك تلوثاً وهبوطاً في الذائقة، لكني أنظر إلى العمق، إلى تلك الجذوة التي ما زالت مشتعلة تحت الرماد. ما نراه على السطح هو الرماد. لدي ثقة بهذه الذات الجمعية، وأعتقد أن ما نمر به الآن هو مرحلة آنية لا بد أن تنقضي عندما يتم النفخ في هذا الرماد ويظهر من تحته الرماد متّقداً. ولكن؛ من يقوم بالنفخ علي هذا الرماد؟ هذا هو السؤال؟

• تجليات التراثين المسيحي والإسلامي واضحة في نصوصك وتأخذ بعداً صوفياً في كثير من الأحيان ؟

- التراث الديني ليس موجودا في نصوصي بشكل إيماني، لكني أستخدمه لأسباب معرفية وجمالية. فيما يتعلق بالشق المعرفي؛ الرموز الدينية والطقوس يعاد إنتاجها، ورموز بلاد الشام القديمة المشتبكة والمتقاطعة مع رموز الحضارتين المصرية واليونانية هي في الأساس وثنية أُعيد إنتاجها في العصر المسيحي وأعيد إنتاجها لاحقا، وهذا يتيح لنا معرفياً تلمس الروح الخالدة للإنسان.

والانزياح باتجاه الصوفية يعطي بعدا جماليا له علاقة بقدسية النص وارتفاعه عمّا هو عادي. أميل في نصوصي إلي تكثيف اللغة والرمزية والإيماء والصمت أحيانا داخل النص.. ثمة لحظات صامتة كما في الكتابة الموسيقية، وهناك كما يرتفع الصوفي عما هو مألوف ومتاح وعادي يرتفع النص أيضا في طقوسه ورموزه وإيحاءاته عن العادية.

اللحظة الصوفية تسمح لي بالاختلاف مع السائد على صعيد اللغة والنص والبناء، ثم إن التصوف أصلاً -حتى التصوف الديني- لغةٌ وتعبيرٌ عن الذات، وهو يمثل اندغام الكلمة بالجسد والروح الإنسانيين.

• قلتَ سابقاً إن التراث المسيحي والإسلامي ليس موجوداً بشكل إيماني في نصوصك، لكن هذه النصوص هي نفسها التي تدافع عنه في مقابل الحضارة الغربية..

- صحيح، هذا التراث هو هويتي.. إنه التراث الذي شكّلَنا جميعا في هذه المنطقة من العالم شكّل أرواحنا وعقولنا وقلوبنا نحن أبناء "الحضارة العربية الإسلامية". وتعريفي لهذا المصطلح أن الحضارة المسيحية الشرقية بكل صخبها وجدلها اللاهوتي والثقافي، وكذلك الرموز الموجودة في الأديان الوثنية القديمة، كل ذلك انصهر في بوتقة ما نسميه الآن "الحضارة العربية الإسلامية"، فهي وريثة كل ما سبق من حضارات وأديان قديمة..

بهذا التعريف أحدد انتمائي الحضاري، وأقف في مواجهة محاولات محو هذه الهوية. أنا لا أبشّر بالصدام الحضاري، بل على العكس تماماً، أؤمن بحوار الحضارات وتنوعها. لا يعيب الإنسان أن يكون هناك هوية عربية متمايزة ومختلفة عن الهوية الأوروبية أو الآسيوية أو عن أيّ هوية أخرى في العالم.

ليس لدي موقف عدائي واضح من الغرب أو أي حضارة أخرى، بل إنني كعربي أعتقد أنني ساهمت في الحضارة الغربية، بل إنني أشكّل أحد الأسلاف، لكني لا أريد لهذا الحفيد أن يلغيني ويمسحني ويغير ملامحي ويجعلني متماثلاً وشبيهاً له، لأنني باختصار ضد العولمة كمفهوم للاجتياح والاحتلال (أقصد احتلال الهوية والذاكرة)، ولكني مع التنوع الحضاري والتكامل في العالم.

• هل هذا ما قصدتَ إليه حين قلت: "إنّ روما التي سرقتْ ديننا/ مثلما سرقتْ حنطةَ الروح/ من كلّ أهرائِنا"؟

- ثمة روما جديدة الآن تعيد إنتاج نفسها، وأنا أقصد بالاحتلالات احتلال الذات والهوية والذاكرة. كما قلت سالفاً، الاحتلال العسكري يذهب، ونحن كأمة تعرضنا لمثل هذا كثيراً، لكن الخطورة في احتلال الذاكرة والوجدان.. كيف يمكننا أن نقف في مواجهة هذا الاحتلال من دون أن نلتفت إلى ذواتنا ونستبطن ذاكرتنا الجمعية عن طريق إعمال الجهد في تشكيل أدوات معرفية جديدة. لدينا مشكلة كبيرة تتمثل في تشويه الوعي.. إذا سألتَ سؤالا واحدا: (من نحن؟) لكل المجاميع البشرية التي تعيش على رقعة الوطن العربي فستُفاجأ بأجوبة متناقضة ومختلفة وكثيرة، لكننا لكي نجيب على سؤال كهذا لا بد أن نعيد إنتاج أدواتنا المعرفية.

• ديوانك مقسَّم إلى خمس مجموعات بعناوين مستقلة، فهل قصدت بذلك الإشارة إلى أن الديوان هو عدد من الدواوين معا؟

- ربما يكون ذلك صحيحاً، فهذا الديوان كتبتُ قصائده في مرحلة طويلة نسبياً (1987-2004) وفي مناخات مختلفة أيضاً، والتقسيم الذي ذكرتَ جاء لاعتبارين؛ الأول زمني، أي أن ثمة قصائد كُتبت في مرحلة زمنية محدد ومناخ نفسي محدد، والثاني يدخل في باب الثيمة، فقد لاحظت أن قصائد عدة تحمل هاجس الماء فوضعتها تحت عنوان "باب الماء"، وهكذا. وهناك قصائد أسقطتها من النشر لأنني رأيت أنها لا تمثلني فنياً الآن، ولو كنت أردت نشر ما كتبت لكان لدي الآن خمسة عشر ديوانا على الأقل. وقد تمثلت المعاناة الحقيقية في هذا الديوان في ترتيبه والعودة إلى المناخات التي كُتبت فيها القصائد والحالة التي كُتبت فيها. لم أتدخل مطلقاً في النصوص التي كُتبت في مراحل سابقة وكنت أمينا للعملية التاريخية.

• كيف هو حال الشعر في الأردن، وهل يعاني مما يعاني منه الشعر في العديد من أقطار الوطن العربي في ظل "زمن الرواية"؟

- الساحة الشعرية في الأردن ساحة غنية بالشعراء، وثمة أسماء مبدعة وتمتلك أصواتاً عالية المستوى، بل لعلّي أستطيع القول إن الساحة الأردنية من أهم الساحات العربية غنىً على المستوى الشعري، ولعل الشعر هو الفن الأنضج بين جميع الفنون الأدبية في الأردن، بل إن القارئ الأردني يميل إلي الشعر أكثر من ميله للرواية والقصة.

• على الرغم مما ذكرت من حيوية حركة الشعر في الأردن، لكن صداها عربياً يكاد يكون خافتاً قياساً لحركات شعرية عربية أخرى..

- هذا صحيح، والمشكلة تكمن في الإيصال. الشعر الأردني مغبون، وليس هناك مؤسسات إعلامية تستطيع أن توصل صوته عربياً، إضافة إلى أن الأصوات الشعرية الأردنية لا تلقى اهتماماً نقدياً من قِبل النقاد العرب للتعريف بها وبنتاجاتها، مع أن الساحة -كما قلت- غنية وجديرة بأن تُدرَس وأن يُلقى الضوء عليها.