د. أيوب أبودية

(كاتب أردني)


ظهر وباء الطاعون وتفشّى في أصقاع الأرض، حيث اجتاحت الجائحة الصين ومعظم الأقطار الآسيويّة، واتّجهت غرباً حتّى سواحل شرقي البحر الأبيض المتوسّط، ثم انتقلت جنوباً صوب إفريقيا وغرباً حتّى بلغت السواحل الشرقيّة للأندلس عام 1328 للميلاد.

ويُذكر أنّ خمسة وعشرين مليوناً من سكّان أوروبا نفقوا بهذا المرض خلال الأعوام 1347-1352، للميلاد، أي ما يقرب من ثلث عدد سكّانها.

وثّق ابن خلدون وباء الطاعون عندما حلّ بتونس عام 1348 للميلاد، وذكر أنّه أهلك العديد من الناس بما في ذلك والديه، و"طوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها"، فأضعف الدول والقبائل. كذلك وثّقه ابن بطوطه بوصفه شاهداً على تفشّي الطاعون الجارف في منطقة بلاد الشام، عندما كان عائداً من الصين. وذكر أنّ عدد موتى الطاعون الأسود في غزة بفلسطين انتهى إلى أكثر من ألف شخص في اليوم الواحد، وفي القاهرة بلغه أن عدد موتى الوباء انتهى إلى أكثر من عشرين ألف شخص في اليوم.

كتب ابن خاتمة الأندلسي (ت.1369م) كتابَ "تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد" بناء على معرفته النظريّة والعمليّة، حيث كان يسعف المرضى والمصابين من الوباء، ويراقب كيفيّة انتشار المرض وانتقال العدوى، ويدوّن ملاحظاته ليتوصّل إلى استنتاجاته الخاصّة حول أسباب الانتشار والأعراض وطرق الوقاية منه. وبناء عليه، وضع تعريفاً علميّاً لهذا الوباء بقوله: "إنه حمى خبيثة دائمة عن سوء مزاج قلبي بسبب تغير الهواء عن حالته الطبيعية إلى الحرارة والرطوبة، مهلكة في الغالب، يتبعها كرب وعرق غير عام".

ولاحظ ابن خاتمة أنّه إذا استحكم المرض بالإنسان تغدو المداواة في الغالب قليلة الجدوى، فرأى أنّ الحجامة "هي النكتة في حفظ الصحة عند حلول هذا الحادث"، لذلك رأى النفع في القصادة؛ ومن هنا جاء عنوان هذا الكتاب "تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد". والمرض الوافد هي تسمية مردها إلى أبقراط وجالينوس اللذين عدّا أنّها من الأمراض التي تعم بين الناس في وقت واحد، "فمتى كانت مهلكة سميت موتاناً، ومتى كانت سهلة خُصّت باسم المرض الوافد، ومتى كانت خاصة ببلد دون بلد سميت بالأمراض البادية".

وذكر ابن خاتمة في ملاحظاته أعراض المرض بحدوث اضطرابات عند الإنسان بعد إصابته بالوباء، ما تلبث أن تتزايد تدرّجيّاً، "يتبعها تشنّج وبرد في الأطراف وقيء مراري سمج متواتر وعطش واختلاف سَحْج على ألوان، أو ثقل في الصدر وضيق في التنفس ونفث في الدم أو نخس في أحد الجانبين أو تحت النهدين مع التهاب وعطش شديد وسعال، وسواد في اللسان أو تورم في الحلق واختناق مع امتناع الابتلاع، أو عُسره، أو وجع في الرأس أو سَدَر ودوار وغثيان وانطلاق فضول سمجة".

ويركّز الكتاب على ما حصل بمدينة المرية بين عامي 1348 و1349 للميلاد، وذلك نتيجة تسارع انتشار الطاعون الأسود؛ فقسّم الكتاب إلى عشر مسائل، هي: المعنى اللغوي والطبي لوباء الطاعون وحقيقته؛ أسباب الوباء القريبة والبعيدة؛ لماذا خصّ قوماً دون آخرين على قرب الجوار؛ العدوى الظاهرة؛ وكيفيّة التحفّظ والاحتراز منه؛ أنواع العلاج؛ ما جاء فيه الشرع؛ ما معنى حديث النهي عن القدوم على أرضه والخروج عنها، ما معنى قوله عليه السلام (لا عدوى ولا طيرة)؛ وكيفية الجمع بين الحديثين.

درس ابن خاتمة أسباب الوباء وقسّمها إلى خاصّة وعامّة، والعام منها ينقسم إلى قريب وبعيد، فالقريب يتعلّق بتغيّر نوعيّة الهواء المحيط بالإنسان، من حيث الأبخرة الفاسدة المتعفّنة الناجمة عن فضلات الإنسان ونشاطاته في الطبيعة، بما في ذلك أبخرة جيف القتلى والموتى ونحو ذلك. ولاحظ بنظره الثاقب أنّ الوباء يحلّ في بيوت الضعفاء والمساكين أوّلاً، ولا يميّز بين قوم وآخرين، إنّما على أساس قرب الجوار، ولكن العلّة تكمن في "الاستعداد" لمواجهة المرض.

ويُفسّر مفهوم الاستعداد بأنّه يختلف من قوم إلى آخر، ومن بلاد إلى أخرى، من حيث قربها أو بعدها عن الجزر والسبخات، وأماكنها المرتفعة أو المنخفضة، وطبيعة مأكلها ومشربها، وما إلى ذلك من قضايا مرتبطة باحتماليّة الإصابة بالمرض، لذلك وضع دستوراً في الصحّة يقوم على كيفيّة التحفّظ والاحتراز من الوباء. وأدرك أنّ عزل المرضى وحجرهم إجراءات مهمّة للسيطرة على المرض، كما باتت عليه الحال في وباء كورونا اليوم.

يبدأ ابن خاتمة بضرورة عدم السماح لأيّ شخص من منطقة موبوءة أن يدخل مدينة أخرى، فقد لاحظ أنّ الدول التي فعلت ذلك حافظت على سلامة أهلها. كما لاحظ أنّ الناس الذين ابتاعوا ملابس الموتى وفرشهم مات أكثرهم. وتنبه كذلك إلى ضرورة العيش في محيط من الهواء النظيف. أمّا إصلاح الهواء فـ "يكون باتخاذ البيوت الشمالية، وفرشها بالرياحين الباردة، ومسح الوجه والأطراف بذلك، والمواظبة على شمه وشم الأُثرج والليمون والأزهار الباردة كالورد والبنفسج والترنجبين بالصندل مع يسير من العود الرطب".

كذلك، يُحذّر من التعرّض لأشعّة الشمس، والسموم، ومواقد النيران، وكل ما من شأنه أن يُشعل حرارة الأبدان. ويوصي أن يميل الإنسان إلى السكون والراحة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويختار من الأطعمة والأشربة ممّا نشأ الإنسان عليه من البر والشعير، ويجتنب أكل الذرة أو خبز الذرة، ويتناول الحساء من فتيت خبز البر وطبيخ الأرز الدقيق، ويستصلح من اللحوم الفتيّة من الدجاج والحجل ولحوم الحملان ورضيع البقر، ويعصر عليها الليمون وخل الحصرم، ويأكل البقول والفواكه، مثل الكمثرى والرمّان الحامض والموز والإجاص على معدة خالية.

كذلك يوصي باستصلاح المياه ممّا عذب طعمه من ماء العيون، ويقترح فكرة أنّ أصلح النوم ما كان ليلاً كالمعتاد. واهتم بالجانب النفساني في مقاومة الأوبئة، حيث عدّ صحّة الحالة النفسانيّة استعداداً جيّداً يقوّي مناعة الإنسان ضد المرض، كالتعرّض للمسرّات والأفراح، ومجالسة الأشخاص ممَنْ تبتهج النفس لحديثهم. ويحذّر تحذيراً شديداً من التعرّض للغم، وإرهاق العقل بالهموم. كما أدرك أنّ الوباء يخلّف موادً سامّة داخل الجسم تؤدّي الى فشل بعض أعضاء الجسم.

هذه المعلومات ليست بالضرورة مرْضية كلّها للعلم الحديث، ولكن يمكننا الإفادة منها فيما يتعلّق بضرورة الحجر، ومنع تنقّل الداء، وأهميّة الهواء النظيف، والعناية بالمأكل والمشرب، وما إلى ذلك من ممارسات ضرورية للوقوف في مواجهة المرض في عصر الوباء الذي نعيشه هذه الأيّام.

(المرجع: ابن خاتمة: أحمد بن علي بن محمّد الأنصاري الأندلسي، أبو جعفر، تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد، مخطوط رقم ق 45، معهد التراث العلمي 884، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث),