شئنا أم أبينا فإن الزمن الماضي هو الزمن الأجمل ليس لأننا كنا صغارا او في ريعان الشباب.. على الإطلاق لا وانما لأن كل معطياته كانت أحسن وأحلى وأجمل وأفيد وأجذب.. الخ ولهذا نجده حتما الزمن الأفضل..

نكتب هذه المقالة ليس للتحسّر على الماضي وانتقاد الحاضر والتخوّف من المستقبل.. أبدا وإنما لأنه يصدمنا تيّار اسمه «عدم الالتزام » بالوقت الحاضر نتيجة العنجهية الرافضة للالتزام كونه رمزا للضعف بعكس «اللاإلتزام» دليل القوة / من وجهة نظر هذا التيّار العنجهي/.

ولهذا ردّدْنا بحذر كملتزمين: «الله لا يمتحِنّا» كلما خبِرْنا من البعض عدم الإلتزام وعدم إتقان العمل بظل ظروف طبيعية تخلو من الكوارث عندما كانت تسير عجلة الحياة بعفوية وتلقائية عنوانها «التوكّل وباطنها التواكُل » يعني «سارحة والرب راعيها»!

لكن الى متى؟

فكم طردنا أفكارا سوداوية مثلا كأِنْ يمتحنّا الله بكارثة حقيقية لا نعرف كيف نحلّها حينما يتكشّف الفرق بين أداء مجتهد ومتقاعس وبين المستعد المحضِّر درسه والعكس..الخ حتى جاءت حادثة «مستشفى السلط» وانقطاع الأكسجين بعز الكورونا مما يؤكد ان الأحلام الوردية المستغرقين بأوهامها قد انتهت وآن الأوان لمواجهة الحقيقة / الإمتحان الحقيقي/..

وعلى ذكر الامتحان اذكر عند دخولنا للامتحان الفصلي بالمرحلة الابتدائية كنا نشاهد مديرة المدرسة تخطّ على اللوح الأسود بالطبشورة وبأحرف كبيرة مُنسَّقة جملة «عند الإمتحان يُكرم المرء او يُهان» فيزاد ارتعاشنا ارتعاشا «فاللّي فينا مكفّينا» من رهبة الإمتحان لتأتي هذه الجملة وتزيد فوق الطين بلة متوعدة بالمهانة كلَّ من يخفق بالامتحان.

والإخفاق بحينها ليس الرسوب وإنما عدم الحصول على العلامة الكاملة وما يتبعه من مسلسل ضياع «المركز الأول» بالصف وماذا سيقول الأهل لوحصل التراجع للمركز الثاني.. الخ من الف حساب وحساب تدور طاحونتها بعقل الطفولة البريئة..

علما أن علماء التربية والنفس بيومنا الحاضر ينتقدون هكذا حكمة «عند الإمتحان يكرم المرء اويهان» لانها ستضرّ حتما بنفسية الطفل فتثبِّطه ولا تحفِّزه مسببة له التوتر والإرباك لربطها تقدير الإنسان لذاته بالدرجة فقطّ علما أن اغلب الطلبة تميزوا وتألقوا في كل المناسبات وكل الأماكن التي شغلوها بالرغم من تخرجهم من مدارس حكومية لحرص الأهل عليهم ومتابعتهم شخصيا..

فعلى ضوء ما يجري من مخالفات وعدم التزام واقساط مدرسية عالية وهدايا غالية للأبناء لاجتيازهم امتحانا.. فأنا اصفّق الآن للست «صبرية» مديرة المدرسة وأترحّم على روحها لتخريجها اجيالا ملتزمة بغض النظر عن حالة الهلع التي كانت تزرعها بنفوسنا.. «هلع مفيد» جعلنا ملتزمين بأقوالنا وأعمالنا وسلوكياتنا متجنبين خلق سلسلة هلع نتيجة إهمالات راح ضحيتها العديدون..

فالآن» لا أحد بصدّ ولا بردّ/ مُشْ الكّل/ و«بِدْهُمْ يتصرّفوا من راسهم» غارقين بكل انواع الغلط بما فيها الوباء مغرقين غيرهم معهم..

فالتربية الحديثة ياسادة يا كرام هي اعطاء الطفل المساحة ليختار من بين اختيارات نطرحها عليه تكون معظمها بمصلحته.. بعيدا عن تنمية صفة «دلَع العِنْد» عنده المضخِّم للذات الرافض للالتزام..

والذي هو أساس كل وباء وعِلّة..

hashem.nadia@gmail.com