د.نادية هناوي

(ناقدة عراقية)


أنْ يكون للشاعر مسربه الخاص فذلك يعني أن لتجربته تفردا، به تتميز على غيرها من التجارب الشعرية المجايلة أو السابقة. وليس يسيرا امتلاك الشعراء لمسارب خاصة في الشعر لأن الشعر بقواعده الصارمة التي ترسخت عبر أجيال متواصلة هو أعسر من أن يُنتهك. وإذا أراد شاعر ما أن يجرب شكليّا، وجب عليه أن يبني تجريبه على تراكمات ما هو سائد من أشكال هذا الشعر لكي يعرف كيف يبتكر منها ما هو جديد ولتكون له ميزة حقيقية وهو يمرق على هذا المتراكم الإنتاجي، مبتدعا ما هو مغاير أو غير متوالف معه شكليا أو ثيماتيا، أيا كان هذا غير المتوالف نوعيا أو كميا.

ولصعوبة امتلاك المروق في كتابة الشعر لا نجد بين جيل شعري وآخر أكثر من تجربة تتسم بالابتداع التجريبي إن لم نعدم وجودها أصلا في جيل أو في جيلين شعريين متتابعين، وهو ما نلمسه بجلاء في مرحلتنا الشعرية الراهنة.

وعلى الرغم مما نجده من نضوب في كثير من التجارب الشعرية التي تبدأ قوية واضحة ثم سرعان ما تخفت وتبرد همتها ويصير الاعتياد ديدنها الذي فيه تخبو طاقاتها الشعرية؛ فإن التجربة الابتكارية الواحدة أو اليتيمة تظل تفعل فعلها التأثيري الواضح في الشعراء من بعدها بجيل أو جيلين وربما يظل فعلها مؤثرا على مدى عقد أو عقدين أو أكثر.

ولقد شهد الشعر العربي الحديث والمعاصر تجارب شعرية كانت مميزة وبعضها صارت له فيما بعد مدارس بدءا من شعراء النهضة والإحياء ومرورا برواد الحداثة الشعرية ووصولا إلى الشعراء الحداثيين في نهايات القرن العشرين الذين بهرهم ما وصلت إليه الأجيال الشعرية من قبلهم من إنجاز، فكانت لهم مشاريع شعرية تجاري السابقين إن لم نقل تتجاوزهم وتتفوق عليهم.

ولعل أهم سمات امتلاك المروق الشعري هو أن تنسب القصيدة إلى شاعرها بدلا من أن تضاف إليه. وشتان ما بين النسبة والإضافة، أولا لأن في النسبة اختصارا وثانيا لأن فيها بنوّة هي ضمنيا تعد ريادة، فيها تحتوي القصيدة شاعرها فيكون اسما لها بعكس الإضافة التي فيها يحتوي الشاعر القصيدة مهيمنا عليها لتكون ملتحقة به وتابعة إليه.

وتظل المرجعيات الشعرية أهم تجلٍّ من تجليات أيّ تجربة شعرية ناجحة. وكلما امتلك الشاعر مرجعيات عميقة وواسعة انعكست واضحة على شاعريته فمنحته المروق ألقا وأكسبته التجديد مرونة وأدامت فيه نسغ الدوام في الابتداع.

والمرجعيات مخزونات ثقافية يتم تلقّيها وهضمها بالقراءة المستمرة وغير المتوانية في مختلف فروع الثقافة عامة ومجالات الأدب خاصة. وعادة ما تستودعها الذاكرة في تلافيف وعيها لتتحول إلى طاقة لا واعية ما إن تستفز بمؤثر نفسي معين حتى تستجيب واعية وتنثال بقوة، غامرة صاحبها بالأفكار والمسميات والرؤى والتصورات فلا يُعرف معها عيٌّ في التعبير والتوصيف ولا عسر في التدليل والتمثيل.

وليست التراكمات الثقافية التي منها تتشكل المرجعيات وليدةَ قراءات محددة أو محصلة متابعات ومشاهدات معينة؛ وإنما هي مداومة ثقافية لا يَعرف صاحبها معها كفاية أو نهاية. فكلما قرأ أدرك أنه بحاجة إلى المزيد الذي يلبي وفاض روحه. فيذهب تارة إلى شعر ما قبل التاريخ معايشا البشرية في أساطيرها وخرافاتها ويعود تارة أخرى إلى شعر أنتجه شعراء العصور التاريخية القديمة والحديثة مكتشفاً الجديد عنهم ومغامرا في متاهات صنعها لهم ومشككا في ما نسبه التاريخ إليهم من تهم وباحثا في جغرافيات الأمم عن شعريات أسلافها ومعاصريها منقبا في تضاريس دواوينها عن الجمال.

ولفهم الاشتغال المرجعي في الشعر لا بد من فهم فينومينولوجيا الذاكرة التي تفترض في عملية إعادة الإنتاج ومن ثم لا مجال للطارئية في امتلاك المرجعيات لأنها حينئذ ستكون واهية تزول فتذبل عند أول ظهور فقاعي لها. ولا خلاف نقديا في أن شعراء النهضة الأدبية العربية ورواد الحداثة الشعرية عرفوا أهمية المرجعيات فكانت أحد أسباب امتلاكهم شاعرية مميزة دلّلت عليها فطنتهم المرهفة وإدراكهم الواعي لما في التراث العربي والعالمي وما في الآداب الحديثة من معين شعري وأدبي لا ينضب هو بمثابة موئل يمد بالإبداع الذي به يتزود الشاعر بالأفكار الناضجة والرؤى التي يتمازج فيها القديم بالجديد والتراثي بالمعاصر مكونا خلطة مرجعية تُدَّخَر في بوتقة الذاكرة لتستعاد متى ما تحفزت هذه الذاكرة بمؤثرات تستجيب لها بصيغ تغدو معها تلك المهضومات على غير حالها حين ادُّخرت في الذاكرة لابسةً لبوس الشاعر لتصير مقرونة به وملكه هو وحده.

واستمر شعراء العربية -في الأجيال التي تلت مرحلة الرواد النهضويين والحداثيين- يواظبون على امتلاك المرجعيات التي بها صنعوا تجاربهم التي تفاوتت في نوعها وغناها وقدرة شاعرها على أن يكتب قصيدته وهو مستعين بمرجع أو أكثر بصرف النظر عن شكل هذه القصيدة وجنسها.

وإذا عرفنا أهمية المرجعيات في تكوين التجربة، أدركنا السبب وراء خفوت كثير من التجارب الشعرية وعدم تميزها ولماذا تبدو الكثرة الكاثرة من الشعراء اليوم بلا كيان واضح وربما بلا تأثير يُذكر. ولعل أهمية المرجعية بالنسبة للتجربة الشعرية هي السبب وراء أفول نجم الشعر الذي ابتعد كثيرا عن مرجعيات كان يتغذى عليها ويمتح منها مساراته، هذا فضلا عن سبب آخر منطقي وهو طبيعة مرحلتنا الراهنة التي معها صعد نجم السرد ليكون له المركز في اهتمامات الكتّاب والنقاد على السواء.

وعدم ارتهان المرجعية بدواخل النص أمر طبيعي، لأن سيموطيقية توظيفها مفتوحة وغير مغلقة، فهي أشبه بالظل الذي يرافق النص ومن ثم لا قواعد تحكم عملها ولا محدودية نستشفها منها بينما التناص فاعلية ذات حدود نصية وعلاقات إيحائية أو إنجازية، يمكن معاينتها وتحديد آلياتها أو قواعدها.

وما من شك بعد ذلك أن تكون المرجعية أوسع من التناص وأنفذ كونها تتجاوز الاستدعاء والاستحضار إلى التشرب ثم الغياب، لا كبنية عميقة وإنما كفاعلية إدراكية لا واعية فيها المتشرب المهضوم والمعاد هضمه شيئان مختلفان تماما. فتتوغل المرجعية غيابيا داخل القصيدة بينما الشاعر نفسه لا يحضره توغلها ولا هو مدرك لاعتمال آلياتها داخله.

مؤدَّى القول إن المروق الشعري فاعلية انفتاحية تتعدى النصية متوغلة في ما قبل النص كامنة في ذاكرة المبدع جاعلة ما يهضمه من نصوص متشرّبا فيه تشرُّبا يتماهى في إنتاجه الإبداعي حتى يبدو مختلفا عمّا كان قبل هضمه. وبالمرجعية تتحقق متطلبات المروق متركّزة داخل الذاكرة واعية أو لا واعية وبفضاءات هي أوسع من أن تكون متعاليات نصية وتناصية ومناصية، وأبعد من أن تتحدد في شكل مصاحبات أدبية أو مفارقات فنية قد تنحصر في النص بلا اعتبار لما قبله وما بعده.