بقلم: جمال الدين عبد العظيم
ماجستير في النقد الأدبي
شاعروباحث - مصر
القاص والروائي المصري المعروف منير عتيبة–مولود في 1969م، وَدارِسٌ لعلم الاجتماع بكلية الآداب، وحاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال.
أبدع ثلاث روايات، وثماني مجموعات قصصية، وأحرز عدّة جوائز من بينها (الدولة التشجيعية، نادي القصة، ساقية الصاوي، إحسان عبد القدوس، مجلة هاي الأميركية)...
وفي مجموعته القصصية (بقعة دم على شجرة)- لجأ إلى تقسيم نصوصه السردية إلى قسمين، لكل قسم عنوانٌ، تندرج تحته بضعة من النصوص القصصية القصيرة..
فالقسم الأول «الزمن والمتاهة» يضمّ ثلاثة نصوص: 1 - قصة 2 - القصة مرّة أخرى 3 - قصة شخص آخر، وقصة رابعة معنونة باسم بطلها «عزت عوض عبد المولى» وقد أهدى القصتين: الأولى و الثانية إلى القاص الريادي الراحل محمد حافظ رجب بقوله: (إلى حافظ رجب صاحب البطل) والقصّتان نصٌّ واحد مرويٌّ من زاويتين..
الأولى: انتظار ما يجود به الزمن من أمل بعيد المنال وهو النَّسْل، في الثانية: تبخُّر الأمل المنتظر طويلاً، وما تبعه من سقوط مروِّع، والإقبال في الخفاء بِنَّهَمٍ، على ما يجود به الجسد من شبق آثِم ولذّة محرَّمة، يأساً من أملٍ غارب
أما قصص القسم الثاني «عن الحبّ والقسوة» فهي أربع قصص: 1 - حسنة 2 - سأقتل 3 - جرش الملح 4 - محاولة هروب..
ولم تعُد العتبات السردية (من غلاف، وعنوان أصلي، وعناوين فرعية، وإهداء، ومقدِّمة، وهوامش، أو أية إشارات أوعبارات ترافق المتن السردي)– ترفاً يتصدّر العمل الأدبي، أو سطوراً موجزة، لإطرائه من بعض أصدقاء المؤلف؛ «فما من عتبة إلا وتحمل دلالة ما، أو تضطلع بوظيفة من الوظائف» (1) فلم يَعُدْ النقد الحداثي يراها عناصر مهملة – بل غدت إحدى وسائل تهيئة القارئ والدارس لاستقبال النص، ووضع يده على بعض مفاتحه وشفراته، كما أنّ لها دوراً في «تجسيد العلاقة بين خارج النص-الواقع الخارجي- وداخله -الواقع النصّي(2) ولكن العتبات النصية في مجموعة «بقعة دم على شجرة» للقاص المعروف منير عتيبة – تجاوزت تلك الطموحات النقدية، وتعدّت حتى حدود المُشهِّيات على الاستقبال والتلقِّي، بالنسبة للقارئ العادي– فقد باتت في هذا العمل، فعّالةً في البنية القصصية، وضرورة لاستكمال الذائقة المثالية، استمتاعاً بالنصّ، وبدون تفعيلها في تلك النصوص – سوف تستغلق رموز كثيرة، وتتوارى جماليات العديد من التقنيات.. فالقصة القصيرة «تركِّز أساساً على الجمالية أكثرمن الحقيقة» (3) فالعنوان (بقعة دم على شجرة)- نقطة سحرية، برع منيرعتيبة في أن يضغط بداخلها كلَّ رسائله ورؤاه، حتى بات مغزى أية قصة في هذا المتن – مُتَّصِلاً عَبْرَ وشيجةٍ ما، بهذا العنوان، فكل قصة قصيرة جيدة «تعبِّر في وحدتها عن وحدة فلسفتها ومفهومها للعالم» (4) من هنا.. علينا ألا نردِّد مقولة «العنوان هو النص الموازي» لدى عتيبة– بل هو «الحَبْل الٍسُّرِّي» للنص.
فلا عجب من أن يقول في الإهداء:
«إلى من أكتب عنهم، ومن أكتب إليهم ؛ لعلنا نعمل معاً على إزالة البقع الكثيرة من فوق شجرة حياتنا»..
وبذلك أسهم إهداؤه في الإفصاح عن رسالته الفنية، وفلسفة الكتابة عنده بصفة عامةً، وعن خطابه السردي في مجموعته القصصية بصفة خاصة: وفلسفة رسالته، قَوَاْمُهَا الكتابة عن حياة الناس، إذْ تبلور العثرات و لحظات الانكسار؛ ليجتازوا كبواتهم. ويمَحْوا تلك اللحظات من حياتهم.
وقد أوجز الكاتب رسالته في قوله: «إزالة البقع الكثيرة من فوق شجرة حياتنا».. فمعلومٌ أن فنان القصة القصيرة «يُحِسّ وقع الصدام ويسمع تمزُّق الوشائج، في كل ما يسترعي انتباهه من أمور الحياة» (5) وبذلك يكشف الإهداء عن فلسفة المحتوى السردي، ويدور في إطار الفلَك الدلالي للعنوان ! عالقاً بوجهة نظر السارد، وهي عدسته التي يرى بها العالم، وينضِّد بها أفكاره وقِيَمَه.
ففي قصص القسم الأول
- يتأمّل الشخوصُ مرايا حيواتهم ؛ فلا يرون فيها سوى» العجز» بمعناه الأعمق، عجز عن إدراك الحياة نفسها، مثلا: موظَّف الشهر العقاري- في القصة الأولى – متزوِّج منذ عشرين عاماً، عاشها في عجز عن التواصل الجسدي المُقْنِع للزوجة، مُستمرئاً صورته المُزْرِية له كرجل أمامها – بل الأكثر زراية – أن ينفح «عدنان السبّاك» بيده، عشرين جنيهاً لقاء خدمته له..لاحِظْ ! الإشارة الرقمية البعيدة والدّالّة بخفائها وتوافقها في الرقم (عشرين)، فرقم المبلغ المدفوع للسبّاك – هو نفسه عدد سنوات الزواج، وهو مدفوع له – ظاهراً – لقاء إصلاح تلف في سباكة المسكن ! أمّا حقيقةً–فلقاء معاونته للرجل في عثرته الجنسية، أو قل: إصلاح عطب جنسي لدى الزوج !
ورغم أن الزوجة في القصة الأولى - تشبّثت بعفّتها - بل نَهَرَت السبّاك عندما تحرّش بها - إلا أن سقوطها، لم يكن إلا بعد تخبُّط الزوج، متردِّياً في التيه، فقد التمس جَبْرانكساره الجسدي، لدى صاحب المقهى مرة، وبائع العرقسوس مرة أخرى، ولم يلتمسه في مظانّه الحقيقية: في نفسه أوفي الطبّ!
وفي القصة الثالثة (قصة شخص آخر)- يتمّ التعارف بين رجل وامرأة عبر التواصل الرقمي، السيدة متحفِّظة، في إعلان مشاعرها، بينما الرجل يُرِيق مشاعره بسخاء لها، عبر الهاتف الجوَّال والبريد الرقمي، وقد تمكّنت العاطفة من كيانه، وانشغل بها ذهنه، بل كل جوارحه ؛ حتى وهو نائم بجوار زوجته.
ولم يكن الكاتب في حاجة لأن يرى العلاقة بين الحبيبين، في إطار أسطورة «بيجماليون»، فشتّان بين الموقفين، ولكنه من جانب آخر- أحسن صنعاً بأن مسَّ الأسطورة برفق، ولم يُوْغِلْ في استدعائها كاملةً ؛ كي لا تتحوَّل قصته القصيرة إلى رواية قصيرة أوطويلة ! فهو لم يَنْسَ أن القصة القصيرة «وَلَدٌ غير شرعيّ للرواية القصيرة»(6) ونلاحظ أيضاً تسميته النصوص الأولى (قصة- قصة أخرى – قصة شخص آخر) ولم يطلق عليها أسماء تقليدية – أي أنّ السرد القصصي لديه – من منظور العنوان–تحوَّلَ من سرد مألوف، إلى فضاء سردي تجريدي بَحْت؛ لغرابة السرد، ودهشة السارد الذي أذهلته غرابة أطوار أبطاله..كما يحدث لدى بعض الشعراء :
إذْ يأتي بسطر شعري ما، ثمّ بالتفاعيل العروضية لهذا السطر، فالشعر لديه قد تحوّلَ إلى وحدات إيقاعية تجريديّة مَحْضة للشعر..
وجاء الكاتب بإهداء ثانٍ، فرعيٍّ، أكثر خصوصية من الأول، فشخصية موظف الشهر العقاري هنا – متماهيةٌ مع نصٍّ قصصيٍّ للمجدِّد الرائد الراحل محمد حافظ رجب ؛ لذا أهداه الكاتب النصين: الأول والثاني.
فقصّة «البطل» لدى رجب، المشار إليها في الإهداء–محورها زوجٌ مخدوعٌ، ضَبَطَ زوجته متلبِّسةً، بفعلتها مع العشيق، فقام بتجريسهما، وأصبح ينظر إلى نفسه كبطل!
فنصُّ عتيبة قريبٌ من شخصية «البطل» في قصة حافظ رجب، في ظاهرة فنية يمكن تسميتها بـ «التذييل السردي» بمعنى أن ينفعل قاص بشخصية سردية لمبدع آخر ؛ ويثمر هذا الانفعال الفنّي نصّاً سردياً آخر، له صلةٌ ما بالنص الأول، من خلال شخصية سردية جديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر وهوامش
(1)د/ عبد المالك شهبون، عتبات الكتابة في الرواية العربية،
دار الحوار للنشر للتوزيع، سوريا، ط1، 2002م، ص43
(2) د/ عبد المالك شهبون – (نفسه)، ص44
(3) إنريكي أندرسون إمبرت - القصة القصيرة، النظرية والتقنية، ترجمة/ علي إبراهيم علي منوفي، المشروع القومي للترجمة، 2000م، ص6
(4) د/ الطاهر أحمد مكي -القصة القصيرة – دراسة ومختارات، دار المعارف، مصر، ط 3، 1983م، ص 77
(5) د/ شكري محمد عياد –القصة القصيرة في مصر – دار المعرفة ط2 1979م ص 48
(6) آيان رايد -القصة القصيرة، ترجمة د/ منى حسين مؤنس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م، ص31
(7) قصة «زيطة صانع العاهات» التي أهداها يوسف الشاروني إلى نجيبب محفوظ ص61، وفيها قارن بين زيطة صانع العاهات في رواية «زقاق المدق» وبين المسيح عليه السلام: فالأول يصنع العاهات، والثاني يبرِئ منها.. وأيضاً..قصة Aمصرع عباس الحلو» بنفس الإهداء السابق ص71، انظر: العشاق الخمسة، يوسف الشاروني، الهيئة المصرية العامة للكتاب – مهرجان القراءة للجميع، مكتبة الأسرة، الأعمال الإبداعية، 1995م.