ما زال الكثيرون يعتقدون ان الجامعات في الدول الغربية نموذج يُحتذى،وفي تقديري أن ذلك ليس صحيحاً بالمطلق، وسأذهب رأساً إلى واحدة من أهم وأعرق الجامعات في الولايات المتحدة مثل هارفارد والى آخر ما ارتكبت من تمييز عنصري وتحامل سياسي ضد واحدٍ من اساتذتها الكبار هو الدكتور كورنيل ويست المفكر والفيلسوف الأسود، الناشط والناقد الاجتماعي ذو الشعبية الواسعة، وهي ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لمثل هذا الموقف فقد غادرها عام ٢٠٠٢ إثر خلاف حاد مع عضوٍ متنفذ في مجلس الامناء حول نشاطه السياسي المعارض لإسرائيل حين وصمه باللاسامية وصداقته لإدوارد سعيد ما أدى الى الغاء تثبيته التلقائي في وظيفته التعليمية، فقال عنه ويست يومها أنه يخضع لضغوط الشركات الكبرى التي تقدم الدعم المالي للجامعة مقابل تسليع التعليم تحقيقاً لمزيد من الأرباح! ثم بعد أن عمل عدة سنوات في برينستون وييل عاد إلى هارفارد شرط استرداد حقه الكامل في التثبيت التلقائي السنوي وعدم تخليه عن أي من مواقفه السياسية المعلنة كمساهمته النشطة في حملة بيرني ساندرز للترشح عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، و..تعاطفه مع الفلسطينيين في مواجهة القمع الإسرائيلي، لكن الجامعة وبضغط من اللوبي المعروف قامت أخيراً بإلغاء تثبيته مرة أخرى فقال في غضب للنيويورك تايمز وغيرها إن هذا الاجراء يعني عدم الاحترام للعلماء السود في الجامعات وانه شخصياً سيظل مسانداً لفلسطينيين غالين على قلبه بسبب تعرضهم للظلم والقمع تماما كما سيحتضن اسرائيليين لو تعرضوا لقمع فلسطيني، هذا وما زالت المعركة مفتوحة.

في نفس السياق سأذهب تالياً إلى واحدة من اعرق الجامعات البريطانية هي جامعة بريستول التي قررت مؤخراً انهاء خدمات احد اساتذتها البارزين هو البروفيسور ديفيد ميلر الذي كان في ابحاثه ومحاضراته يفضح دور شبكاتٍ ممولة من جهات معروفة وتدير ندوات وحوارات عامة في الجامعات وخارجها، وكانت تحرض في بعضها على ميلر نفسه وتدعو جامعة بريستول لحرمانه من العمل فيها بعد محاضرة ألقاها على طلبة الجامعة قبل سنتين عن الإسلام وفوبيا (كره الإسلام والتحامل عليه كقوة سياسية) ثم تتهمه باللاسامية لأنه صرح مؤخراً، بأمانة الاكاديمي الملتزم بقيمه، أنه ضد الاحتلال الاسرائيلي والعدوان المتكرر على الفلسطينيين! وقد هب للدفاع عنه عارفو فضله العلمي من اساتذة وطلبة جامعات حول العالم وقد وصلتني للتوقيع رسالة مفتوحة تحمل اسماء مئات من الأكاديميين المرموقين عرفت منهم نعوم تشومسكي وايلان بابه واهداف سويف ونورمان فينكلشتاين، والرسالة تتضامن مع ميلر وتدافع عن مبدأ الحرية الأكاديمية والحق في الكلام والبحث الموثق.

وبعد.. الدلالات تشير إلى أن التعليم العالي في خطر حتى في أميركا وبريطانيا بسبب التدخلات والضغوط التي تمارسها حكومات وشركات كبرى لم تعد مجهولة، تسعى لتشديد قبضتها على الجامعات لتسليعها وترسيخ مزيد من العنصرية فيها وحرف المعرفة لخدمة اهداف سياسية لحكومات بعينها..!