الناس في مُجتمعنا يلقون باللائمة على الحكومات لعدم تَحقُّق المراد، ويرون أنها سبب إخفاقنا.
ويتضح ذلك من استطلاعات الرأي العديدة التي تُحقق فيها الحكومات نسب رضا متواضعة، لا بل أقل بكثير من المقبول.
وإلى حد كبير، الناس معهم الحق في ذلك، لأن الحكومات في العادة هي المسؤولة مسؤولية مباشرة عن التطور والتقدم في ميادين شتى هي مجال عملها.
وهذا أمر لا يجادل فيه اثنان.
فالحكومات تعاني من إشكالات عدّة تُفضي إلى الإخفاق: منها عدم وضوح الرؤية أو عدم التمكن من ترجمة الرؤية إلى خطط عمل دقيقة ومحكمة؛ ومنها ركاكة الأداء وعدم الكفاءة؛ ومنها الواسطة والمحسوبية؛ ومنها قلة الموارد، وغير ذلك كثير.
لكن الحقّ أن نذكر كذلك أن الناس مسؤولون عن الفشل في تحقق المنشود؛ فالتطور والتقدم يحدثان عندما يكون أداء الحكومات وأداء شعوبها متناغمين، ومؤسسين على الهمة والنشاط والإخلاص في العمل والالتزام بالقيم والقوانين وبالفعل المتسم بالكفاءة العالية.
نعي العقبات والعراقيل التي تقف أمام الحكومات فتعطل أداءها أو تحدّ منها. وهي كثيرة.
لكن ما الإشكالات المتعلقة بالناس أنفسهم؟
هي كثيرة كذلك.
من أهمها – وهو ما نود التركيز عليه هنا – أن الناس بشكل عام غير منضبطين، وهم ضعيفو الالتزام، بسبب خلل في التربية والتنشئة.
فالانضباط والالتزام أساسيان في معظم السياقات، إن لم نقل فيها كلّها؛ ويشكّلان العامل الحاسم في الانتقال من حالة التخلف أو التأخر إلى حالة التطور والتقدم.
خذ، على سبيل المثال، التعامل مع الوضع الوبائي الحالي، محلياً وإقليمياً ودولياً.
لا شك أنّ للحكومات دوراً كبيراً في مواجهة الجائحة، فهي المعنية بالتثقيف والتوعية والتخطيط وجلب المطاعيم وتوفير الأدوات والمرافق الصحية اللازمة.
لكنّ للناس دوراً كبيراً كذلك، ومن أهم أبعاده الالتزام بالتوجيهات والتعليمات والسعي إلى معرفة الحقائق العلمية والتمسك بها، والنأي بالنفس عن الخزعبلات والمعلومات المغلوطة والإشاعات.
والدول التي حققت نجاحات باهرة – وهي قليلة بالمناسبة – هي تلك التي خططت حكوماتها التخطيط السليم ونفذت بكفاءة، والتي التزمت شعوبها التزاماً مثيراً للإعجاب بالكمّامة والتباعد الجسدي والنظافة الشخصية وتمسّكت بالمعلومة العلمية، لا بالمقولات العاطفية والإشاعات والأقاويل المغلوطة.
وماذا عن الالتزام والانضباط في سياقات أخرى؟
الأمر غير سار على الإطلاق.
خذ التزام الناس بقواعد المرور في مجتمعنا، مشاة كانوا أم سائقي مركبات. لعقود طويلة وحوادث السير في ارتفاع، ولعل الوفيات بسببها تفوق الوفيات في الحروب وتكاد تعادل في المجمل الوفيات الناجمة عن الأوبئة. ناهيك عن المخالفات والممارسات التي تسبب للناس الإزعاج والأذى النفسي والمادي.
خذ كذلك تعامل الناس مع البيئة، القائم على عدم الاحترام وعلى التلويث والإيذاء.
يهتم الناس اهتماماً كبيراً بما هو داخل أسوار بيوتهم، لكنهم لا يكترثون قط بما هو خارجها.
وخذ كذلك سلوك الناس في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي حوّلوها من وسائل تفاعل إيجابي ونافع، إلى وسائل شتم وجلد وتشويش وإرباك ومغالطات وخزعبلات.
مسؤوليتنا في إحداث النقلة هي مسؤولية مشتركة، إذاً: حكومية وشعبية معاً.
ومعضلتنا هنا مزدوجة كذلك.
مُعضلة مزدوجة
11:05 6-3-2021
آخر تعديل :
السبت