كتاب

جلالة الملك وثوابت السياسة الأردنية

المشاركة الملكية بخطاب شمولي لجلالة الملك عبدالله الثاني في مؤتمر معهد بروكنجز «الشرق الأوسط والإدارة الأميركية الجديدة» تلبية لدعوة القائمين عليه، هي الدليل والبرهان على الشاغر المهم للدولة الأردنية بين دول صنع القرارات المؤثرة ونسجها، حتى بشكلها الافتراضي هذا العام بسبب الظروف الوبائية التي تعصف بالعالم أجمع، وهو المؤتمر، الذي يعقد انسجاما مع تطلعات القائمين على رعايته بمشاركة رؤساء دول ومسؤولين حكوميين ودبلوماسيين وخبراء وباحثين وأكاديميين، في إطار جهود تعزيز التواصل وبناء التفاهم بين صنّاع القرار في ال?لايات المتحدة الأميركية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، حول أبرز التحديات والقضايا التي تواجه المنطقة، ومن منطلق مهم وأساسي والمتعلق بدور المركز في تعميق فهم صنّاع القرار المتعلق بمنطقتنا، فنحن ندرك أن بوصلة التحكم الرئيسية بمحور الأمن والاستقرار العالمي والشرق أوسطي تحديدا، قد يكون أو يعكس حصريا التصور الأميركي للواقع، لأسباب وثوابت يطول شرحها أو الاجتهاد بتفسيرها، وهو العراب الأكثر تأثيراً على مسرح الأحداث للقادم منها بشتى صورها، وربما كان ذلك بفقرات مؤشرة ومهمة بإدارة الرئيس الأميركي الجديد، الذي أكد?حرص بلاده، على تعزيز الأمن والاستقرار للمنطقة، فصوت أميركا العادل والمتزن مطلوب بفقراته اليوم، ويمثل ضمانة الأمل للشعوب التي تطمح لشروق شمس تبشر بتوفير أبجديات ومتطلبات الحياة الكريمة؛ الصحة، التعليم، الأمن، الاستقرار، والأمن الغذائي، فهناك إجماع معلن أو بداخل الذات، بقدرة الإدارة الأميركية على حسم هذا الأمر، ضمن الأعراف التي تبنتها والقدرة على تطبيقها، بحكم موقعها ومكانتها العالمية، وهناك حقيقة تؤطر لتطبيق هذا المنظور، باعتبار الأردن؛ الصوت المعتدل والمستقر في قلب منطقة الصراع، والشريك الدائم والمخلص والم?تزم، لعلاقات صداقة متينة وممتدة منذ سبع عقود، بُنيت على أساس الاحترام المتبادل وتطابق وجهات النظر حيال القضايا التي تعصف بالمنطقة، التي تعيش أصعب وأدق لحظاتها بتحدٍ جديد يعصف بشعوبها واقتصادياتها والمتمثل بالوباء الفيروسي، الذي حصد من الضحايا والأرواح، الأضعاف مما حصدته الحروب، كما أن تكلفته المادية والإقتصادية المدمرة، قد أعادت الشعوب لحياتها الأولى، وألزمت الجميع بإعادة التفكير وترتيب الأولويات للبقاء؛ التحدي الأكبر أمام المنظومة العالمية ممثلة بالدول والمنظمات والمؤسسات والقادة، باختبار أخلاقي ملزم لإيج?د الحلول العادلة.

لقد حرص جلالة الملك على تذكير العالم أن بؤر الفوضى والصراع والأزمات ملتهبة لانعدام العدالة، فالمخاطر السابقة عبر التاريخ الحديث للمنطقة والعالم، والتي تحتاج لحزم بتطبيق الشرعية الدولية والقرارات الأممية، هي حاضرة غائبة، وخطر انفجارها قائما ومدمراً، لأن الشعوب قد ينفذ صبرها من وعود الأمل المخدر بالانتظار، فالقضية الفلسطينية هي جوهر الصراع الشرق أوسطي، وقضية اللاجئين تراوح مكانها عبر تفسيرات يحاول البعض فرضها بحكم الأمر الواقع على حساب مقدرات الشعوب، ومنظمات الإرهاب والدمار والمرتزقة، تتوالد من رحم الأحداث و?لواقع برعاية منظمة وليست عفوية، وتستخدم كسلاح في جميع الميادين، وتجد فرصتها بغياب المساواة وانعدام العدالة، وربما أن الجائحة الوبائية قد توفر البيئة الحاضنة لتجنيد المزيد من الشباب المغامر لتكوين عصابات القتل والدمار، وبذلك تتضاعف الضغوطات على دول الإعتدال التي تروي شتلة الأمل بالغد بتضحيات، وربما الفقرة الأهم بالخطاب الملكي قبل تسعة عشر عاماً، بضرورة البناء على حل الدولتين، المتجاورتين، بعلاقات يضبطها القانون الدولي، والقدس بشقيها، عاصمة لكل منهما، يمثل ذلك عقد الضمان الأهم لانطلاق مسيرة السلام، فما بين ا?خطابين من أحداث، يؤكد المحتوى والتوصية بانعدام البديل عن حل الدولتين؛ فالخطوات الأحادية المستمرة ستقتل فرص السلام، لأن الاحتلال بصوره السلبية من ظلم ويأس وبؤس وحرمان وتمييز عنصري، يولد الخاسرين، ويؤسس لبيئة احتضان شتلات الكراهية والحقد؛ وصفة سحرية استنبطها الحكماء من باطن التاريخ وأحداثه.

الدعوة الملكية مقرونة بواحد من ثوابت الدولة الأردنية والمتمثلة بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، للحفاظ على هوية المدينة، فالحفاظ على القدس الشريف، مدينة للإيمان والسلام، سياسة تبرهن على الثبات بالمبادىء غير القابلة للمساومة، فالقدس تسكن قلوبنا، نحج اليها جميعا، مدينة اكتسبت من اسمها نصيباً، وللحديث بقية.