كتاب

مُحدّدات التعليم الوجاهي ومُهدّداته

التعليم الوجاهي، والذي يجمع المتعلم بالمعلم وجاهياً في مكان التّعلم، هو من أعرق أنواع التعليم وأقدمها.

وعلى الرغم من المستجدات والتطورات التقنية الحديثة، التي بدأت تفرض أشكالاً مختلفة من التعلم في مساحات أرحب ومن خلال تقنيات تُتيح التعلم دون قيود مكانية وزمانية تُذكر، تبقى للتعلم الوجاهي أهميته ونكهته الخاصة وخصائصة التي لا بديل عنها.

ومن هنا فإن التعلّم الوجاهي سيبقى معنا، لكن ربّما بشكل مُحسّن أو مُهجّن، لفترات طويلة قادمة.

ومع ذلك، هنالك نقطتان أساسيتان لا بد من إبرازهما هنا حتى نضع أمر التعليم الوجاهي في سياقه الصحيح.

الأول ويتمثل في مُحدّدات التّعلم الوجاهي ومُهدداته؛ والثاني في أنّه، على أهميته، سيكون شكلاً من أشكال التعلم وجزءاً منه؛ ولن تكون له الحظوة أو الغلبة التي كانت.

بخصوص المُحدّدات، فهي كثيرة.

منها ما خبرناه حديثاً، بمرارة وبعمق، خلال جائحة كورونا التي عطّلت التواصل الوجاهي في حرم المؤسسة التعليمية على نحو شبه كامل. واضح أنّ الإنسانية لم تَطوِ صفحة الفيروسات والأوبئة، والتي ستبقى معنا، تحلّ علينا فجأة، فتحول بين أبنائنا وبناتنا وبين تعلّمهم الوجاهي في حرم المؤسسة.

وهذا عيب من عيوب التّعلم الوجاهي لم نكن نُدركه من قبل.

بيد أن التعلم الوجاهي يُمكن أن يتعطل كذلك نتيجة الظروف البيئية القاسية من ثلوج وفيضانات وعواصف رملية وموجات حرّ وغيرها.

وقد خبرنا العديد من تلك الظروف، وما زلنا نخبرها، والتي يتعطّل التعلم خلالها تعطلاً كاملاً في ضوء عدم وجود البديل.

ويتعطل التعلم بسبب ظروف استثنائية أخرى، سياسية وأمنية واجتماعية وغيرها.

لكن مُحددات التعليم الوجاهي لا تقتصر على الظروف الطارئة بأنواعها، إذ إن عدداً منها مرتبط بسمات التعلم الوجاهي نفسه وبناه وصيَغِه وطرائق تنفيذه، مثل إعلائه من شأن التعليم والتلقين ومركزية المدرس، على حساب مهارات التعلم والتفكير ومحورية دور المتعلم واعتماده على ذاته.

ومن مُحدداته قلة استخدامه للتكنولوجيات الحديثة وتوظيفها لجعل التعليم أكثر سلاسة ومحسوسية وفاعلية، بسبب الاعتماد المبالغ فيه على المدرّس وأدوات التعلم التقليدية.

ومنها الكُلَف، في المال والجهد، الناجمة عن تنقّل الطلبة والمدرسين والموظفين يومياً من أماكن سكناهم إلى حرم المؤسسة، وإضاعة الوقت في عمليات تكون أكفأ وأسرع إذا ما نفذت تقنياً عن بعد.

وهنالك مُحددات ومُهددات أخرى تدعونا إلى إعادة النظر في التّعلم الوجاهي، ليس بإلغائه بل بترشيده وتأطيره وإدماجه في غيره من أشكال التعلم بحيث نُبقي على ميزاته الكثيرة ونُحدّ من مُحدّداته وسلبياته.

ومن هنا يأتي الحديث عن أهمية التّعلم المدمج، والذي يتكون من شقين: الوجاهي موضع الحديث هنا، والذي يتم في حرم المؤسسة التعليمية؛ والإلكتروني الذي يُوظِّف التكنولوجيات الحديثة في زيادة فرص التعلم وتعظيم مساحاتها وأوقاتها، وكفاءة عملياتها وسرعتها.

وهذا المبدأ هو الذى حدا بوزارة التعليم العالي، بشراكة مع مؤسسات التعليم العالي كلّها، إلى تبني خطة محكمة لإدماج التعليم الإلكتروني في منظومة التعليم العالي، من أجل زيادة كفاءة التعلم الجامعي وجودة مخرجاته وتلبيته لمتطلبات العصر.