الدلالات الرمزية في "الأعمى والأطرش" لغسان كنفاني

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 19-2-2021
No Image
2960

خيري حمدان

(كاتب ومترجم أردني مقيم في بلغاريا)

تعدّ رواية "الأعمى والأطرش" من أهم الأعمال غير المكتملة للأديب غسان كنفاني، لامتلاكها عوامل وعناصر أدبية عديدة أهمّها: الرمزية والبطانة الشاعرية والفلسفية العميقة.

لقد تمكّن الأديب في هذا العمل المنشور ضمن الأعمال غير المكتملة (منشورات الرمال) من وضع أسس فنية في قالب جديد متناسب في متابعة النصّ ما بين الحوار والتصوير والتدخّل الشخصيّ الفذّ مستعيناً بآلية "تيار الوعي" التي أتاحت له -كما في العديد من أعماله الأخرى- وضع بصمة ورؤية ذاتية لموضوع الحدث، وهو غالباً مصيريّ وشائك.

ونلاحظ في هذا العمل استخدام أسلوب السخرية المفرط وأحياناً الامتثال للصوت الداخلي للأديب المتحدّث باسم شخوصه، ما أتاح الفرضة للقارئ بالتعاطف مع أبطال الرواية وفهم معاناتهم والمغزى الخفيّ المتموضع في متن النصّ. نورد على سبيل المثال هذا المقطع لتوضيح مفهوم المعجزة بأسلوب ماتع مائز: "المعجزة ليست أكثر من الجنين الغريب الذي ينمو في رحم اليأس، ثمّ يولد على غير توقّع من أحد ليضْحي جزءاً من الأشياء، تبدو، ثمّة، ناقضة من دونه". المعجزة التي بحث عنها الأعمى والأطرش في بداية المطاف لدى ضريح المولى عبد العاطي من دون طائل. كما نورد مثالا على الشاعرية المقروءة في معظم صفحات الرواية: "أرشو الظلام بالصمت"، كأنّه بهذا عرض علينا معاناة الأعمى وإصراره على فرض حاسّة الصوت بديلا عن هذا العجز الخلقي للتعبير عن الذات.

لكن مَن هما الأعمى والأطرش في هذا العمل؟

يدرك كنفاني رغبة الشعب الفلسطيني كنموذج للشعوب المكافحة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، في النضال من أجل الخلاص والتحرّر من عتمة الاحتلال ومواجهة الاتكالية غير الواقعية. هو مجتمع أعمى غير قادر على تحديد معالم الطريق، وأطرش غير قادر على الاستماع لنبض الأرض وصرخة المنكوبين البؤساء. من المفارقات التي وردت في هذا العمل (ليست محض مصادفة)، ورود اسم بعض المدن الفلسطينية وذكرى الوطن المسلوب على لسان أعمى وأطرش يبدوان أكثر انفتاحاً وتعقّلا ووطنية من السويّين من حولهم.

الجدير بالذكر أنّ معظم كتّاب الحداثة المعنيين بتوظيف الرمزية ومحاولة تدقيق المقترح الجمالي قد مهروا أعمالهم بطابع شاعري غنائي كما "البالادا" التي وضع أسسها الشاعر الفرنسي شارل بودلير ويماثلها "الموال" في التراث العربي. غسان كنفاني كان على تواصل مع الأدب الغربي واطلع على أعمال مارسل بروست وبودلير وفوكنر، كما اهتمّ بالأدب الروسي وتأثّر بشكل ومضمون هذه الآداب وتمكّن من تطعيم أعماله بهذه الجماليات ولكن بنكهة شرقية وأسلوب خاصّ.

ما يميّز هذه الرواية كذلك مزج الرمزية بالواقعية وإضفاء ومضات ساخرة تجذب القارئ وتجبره على إعادة التفكير بواقعه المؤلم، أسلوب يذكّر بقلم الأديب الإنجليزي برنارد شو المعروف بلسانه اللاذع، لكن كنفاني يميل للطابع الثوري والفلسفي. يتوضّح ذلك في تبعات عالمَي العتمة والصمت الواردين في معظم أجواء الرواية.

أعلامُ المدرسة الرمزية يرون بانعدام وجود تباين ما بين النثر والشعر، فهم يعدّون الآداب كلّها شعرا. لكن هذه النظرية تبقى نسبية، فقد لجأ الأديب لاستخدام فقرات نثرية ذات بعد توثيقي مع الإبقاء على قوّة الإيحاء والتأثير النفسي غير المباشر بعيداً عن البناء الشعري، كما نقرأ في العلاقة ما بين الأعمى ورغيف الخبز في الفرن/ الملجأ، كأنّ الرغيف كيانٌ حيّ. هذه اللوحة تبرز حالة الضعف والرثاء الذاتي للأعمى التي تحوّلت لاحقاً إلى تفوّق أمام المبصرين والسويين. لا شكّ أنّ كنفاني قد استفاد إلى حدّ بعيد من قدراته في مجال الرسم التعبيري واستخدام الألوان والفرشاة لتأطير هذه الصورة الجمالية بقلمٍ أنيق.

كما نلاحظ في هذا العمل تأثّر الكاتب بالتراث اليوناني القديم، حيث ركّز كنفاني في أحد المواضع على رمزية الميزان ورغيف الخبز الذي حلّ مكان السيف الذي رفعته الإله "تيميدا" في الأسطورة اليونانية. وأبقى كنفاني على شأن العدل كهمّ وضرورة شخصية في العديد من أعماله. الأعمى لا يصرّ في هذه الرواية على التخلّص من هذا النقص الخلقي خلال وزن الطحين والخبز، الأمر الذي لفت انتباه الأطرش الذي قارن هذا المنظر المعبّر مع الموروث اليوناني المرتبط بإله العدالة "تيميدا" (والخبز يحمل قوّة لا تقلّ عن قدرة حدّ السيف)، واستبدل المحكمة تالياً بالمخبز مأوى الضرير الذي لجأ إليه بعد تغييب والده بالسجن لمدّة 20 عاماً وطلاق والدته وإقدام زوج أمّه على طرده من البيت.

لقد تركت الفلسفة اليونانية القديمة تأثيراً كبيراً في الآداب العالمية، وكنفاني ليس استثناءً، لأنّها معنية بالمبادئ المثالية الثابتة في الحياة البشرية. أسُس فلسفة أرسطو واضحة في الأعمال العالمية ولم تنقطع الدراسات القديمة والحديثة بتوضيح أبعاد الدور الفاعل الذي تركه أرسطو في الآداب الحديثة المعاصرة. الوصفة التي طرحها كنفاني لتحقيق العدالة في المجتمع لا تختلف في كنهها عمّا ورد في أعمال أرسطو وأفلاطون وسوفوكليس وهيرودوت وأتباعهم الذين وضعوا مدارس مستديمة في الفلسفة. لكنْ هناك فارق ما بين العدالة في المنظور الأخلاقي الشخصي التي تعد ملكاً لكلّ فرد والعدالة بمفهومها العلائقي المؤسساتي العام. كنفاني يتناول هذه الفضيلة الأخلاقية من منحى شخصيّ لتمريرها إلى القارئ في ما بعد، وهذا ما نلاحظه في العلاقة بين أبطال هذه الرواية الفذّة. بعض اللوحات تشير بصورة غير مباشرة لانعدام مفهوم العدالة وطغيان اللامبالاة لدى المنظمات والمؤسسات الدولية تجاه مصائر بعض الشعوب كما وكالة الغوث التي تقف مكتوفة الأيدي أمام مأساة الشعب الفلسطيني.

يدرك كنفاني الحضور القوي للأسطورة في العالم العربي وصعوبة مواجهة الظلّ الثقيل الذي تركه ضريح المولى عبد العاطي والوعود الكامنة بفكّ الرصد وشفاء المصابين من أمراض وعاهات مختلفة. هذا السردّ الساخر يهدف لإظهار حالة الضعف والاعتماد على قوىً خارقة لتحقيق الغايات من دون بذل أيّ جهدٍ يذكر بالمقابل. لذا يدعو الكاتب لقطع رؤوس ثعبان الأسطورة الكاذبة لقدرتها على النمو ثانية، فهو على قناعة من استحالة التغلّب على الموروث الشعبي السلبي، لكنه نجح على الأقل بفضحه وعرض مخاطره في المستويَيْن الاجتماعي والسياسي.

يلقي كنفاني الضوء في هذا العمل على بعض المفاهيم السياسية التي تعلّمها والد بطله الأعمى في السجن، وقد تجنّب الكاتب ذكر اسم الوالد مكتفياً بكنيته "أبو حمدان". الرجل الحكيم الذي أدرك في المعتقل أنّ البعد الحقيقي للسياسة يتناقض مع استخدام السلاح كيفما اتفق في المجتمع وإظهار التفوّق على الآخرين وفرض الفتوّة المكتسية برداء الوطنية. الصفحات الأخيرة من هذه الرواية غير المكتملة تؤكّد أنّ الوطنية مسؤولية والتزام وليس مجرّد إطلاق الرصاص في المناسبات وحمل المسدّسات تحت السترات في الممارسات اليومية، لكنّ الأقدار لم تمهل كنفاني لإنهاء هذه الرائعة التي ستبقي على أثرها العميق على الصعيد الأدبي والفكري والوطني.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }