الهرب من كابوس الفوضى الى الامن والاستقرار، ثنائية انتشرت مقارناتها في منطقتنا، وقليلة هي المجتمعات التي جنحت الى خيار الإصلاح، لتكسب حريتها وتستخلص حقوقها في ظل دولة قوية راشدة.
خلق هذا توازن الاصلاح يحتاج عملاً مستمراً، فكلما ازدادت قوة الدولة كان على المجتمع أن يجتهد في مراقبتها ومحاسبتها، وكأننا نسير في ممر ضيق بين هوتين، فلا نريد دولة قوية شمولية تقمع مواطنيها، وتتركهم مسلوبي الحرية والحقوق، ولا نريد كذلك مجتمعاً أقوى من دولته تستقوي بعض مكوناته على الدولة، فيمنع إرساء النظام وضمان الامن والاستقرار لصالح مكاسب فئوية ومناطقية.
بعنوان «الممر الضيق»: الدولة والمجتمعات ومصائر الحريات، قدم «دارون اسميغلو» و «جيمس روبينسون» كتابهما، بحثًا عن أشكال بناء الدول وعلاقاتها المختلفة مع المجتمع، ونتائج هذه العلاقات المختلفة بالنسبة لملف الحريات، والرفاه الاقتصادي، وقوة الدولة عمومًا، وقد استعارا «الليفياثان» من «توماس هوبس» السياسي الإنجليزي الذي عرف الدولة على أنها الحل الأمثل لضمان حياة طويلة وسعيدة ومرفهة للأفراد والجماعات، نتيجة قدرتها على حماية الناس وحل النزاعات والأزمات، وفرض النظام والقانون العادل لتحفيز الاستثمار والتجارة ليتحقق ال?زدهار المالي والاقتصادي.
يستعرض الكتاب في مقدمته أحوال المجتمعات السياسية والأمنية والاقتصادية في غياب الدولة وحضورها، ويفصل في التغيرات التي تحصل في بنية هذه المجتمعات في المراحل الانتقالية بين الدولة واللادولة، وقدرة الدول الناشئة على تغيير العادات والتقاليد والبنية المجتمعية والممارسات الاقتصادية، التي تمثل كلها–برأي الكتاب- أشكالا بسيطة في تركيبها، عميقة في تاريخها، أوجدتها المجتمعات واتفقت عليها لتوجد حالة دنيا من السيطرة في مرحلة اللادولة.
ثم ينتقل الكتاب فيقسم الدولة «الوحش» الى مقيدة و غير مقيدة «مستبدة» إضافة للدولة الورقية، أما المقيدة فهي الدولة القوية التي يضبطها مجتمع قوي فاعل ونشط، والمستبدة فهي الدولة القوية الطاغية على مواطنيها الذين لا يملك قوة مراقبة الدولة ومحاسبتها، وأخيرا الدولة الورقية وهي نوعان حسب قوة مجتمعها وفي كلا الحالتين سمتها الضعف، فإما أن يكون المجتمع قويا فيستقوي على الدولة ويسلبها بعض ارادتها وأدواتها لصالح بعض فئاته، وإما ان يكون المجتمع ضعيفًا، يسمح للدولة بممارسة القمع في الداخل والانصياع لكل ضغوطات الخارج.
يقدم الكتاب مقارنات اقتصادية بين الدولة المقيدة والقمعية، وكلاهما يوفران النظام والامن اللازمين للازدهار المالي والتجاري، لكن الأولى تحافظ على التنافسية والحافز الشخصي للاستثمار وزيادة الأرباح وتضمن تأثير المجتمع على سير السياسات الاقتصادية العامة، أما القمعية فينهار اقتصادها ولو بعد ازدهار مؤقت بسبب التوسع الضريبي والفساد وزبائنية الولاء والتنفيعات الشخصية التي لا يقابلها تمثيل وتمكين شعبي يحتضن القوانين والسياسات والتوجهات الاقتصادية.
تتشكل الدول نتيجة اتفاق بين الحاكم والمحكومين، يتخلى فيه المجتمع عن جزء من ارادته وحريته للدولة لتضمن له في المقابل عناصر الحياة الكريمة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وهذا يستلزم مجتمعا نشطًا ومتيقظًا ليراقب الدولة ويضمن ايفاءها بشروط الاتفاق، لبلورة «مشروع» للأمة تنسجم فيه الدولة مع المجتمع، بهذا فقط نقف في الممر الضيق الضامن للحريات بين مجتمع قوي ودولة قوية.
Saifalrawashdeh0@gmail.com
«الممر الضيق» لكسب الحرية
12:37 16-2-2021
آخر تعديل :
الثلاثاء