«طوال حياتي كنت أحب أن أعمل حلويات وأتفنن في إعدادها، لكني لم أفكر يوما أن هذا الشغف سيصبح مهنتي وحلمي». هذا ما قالته الشابة لبنى العابد، وهي تتحدث إلى $ عن تحولات العمل عندها.. من مهندسة إلى «شيف».
لبنى العابد درست هندسة الميكاترونكس بالجامعة الأردنية، وكان مشروع التخرج عن الأنظمة المستخدمة لتهيئة البيئة المناسبة لزراعة الفراولة في البيوت البلاستيكية، أي «يرتبط نوعا ما بالأكل».
تخرجت لبنى عام ٢٠١٣ وبنفس السنة اشتغلت في الملكية الأردنية بالهندسة والصيانة قسم التخطيط..
بعد أن تزوجت لبنى سنحت لزوجها فرصة عمل بالسعودية، وبقيت هي في عمان، بحكم عملها، لكن عندما رزقت بطفلتها «جود» التي أنارت حياتها وشغلتها بـ«كركبتها»، أصبح من الصعب عليها البقاء في وظيفتها، ورعاية طفلتها وحدها؛ فتركت عملها ولحقت بزوجها في جدة بالسعودية.
لكن تركها العمل لم يكن يعني لها أبدا أنها انفصلت عن الهندسة، ولم يعنِ أبدا أنها لم تحب عملها أو أنها تستطيع الاستغناء عن لقب مهندسة؛ إذ كانت سنوات عملها في الملكية أجمل أيامها «والطيارات دايما حولي».
وكانت باستمرار تتفنن بالحلويات وزملاؤها كانوا يحبون ما تعده من أطباق ويطلبونها منها، حتى أصبحت «ببساطة شيف مهندس بدل باش مهندس..».
اعتقدت لبنى أنها فور وصولها جدة ستجد عملا في وقت قياسي «بحكم طبيعة عملي وخبرتي».. لكنها فوجئت بانعدام الفرص تماما هناك..
وهي لا تنكر أنها اكتأبت في البداية، لأن الأمر كان صعبا عليها، خصوصا وأنها لا تطيق البقاء بلا عمل.
هنا استرجعت لبنى شغفها بإعداد الحلويات، وتسلي نفسها فيها، وتتدرب على إعداد مختلف أنواع أطباق الحلويات، وصارت كلما سمعت عن توافر دورة تلتحق بها.
وساعدها في التركيز على متابعة الدورات مشاركة زوجها «طارق» إياها بالاعتناء بطفلتهما أوقات انشغالها، خصوصا أنهما في غربة وأهلهما ليسوا حولهما.
ورويدا رويدا صار الموضوع يسيطر عليها ويوفر لها سعادة تعادل سعادتها وارتياحها في عملها السابق.. فقررت أن تبدأ المشوار..
من جدة إلى الرياض.. انتقلت الأسرة التي أصبحت تتكون من أربعة أفراد، بعد أن انضمت إلى القافلة ابنتهما الأخرى «لينا»، التي كانت بحق «ملكة الآكشن» وزادتهم انبساطاً وانشغالا و«كركبة».
بالرغم من الوضع بات أشد صعوبة، والتركيز على إعداد الحلويات أيضا صار «أصعب بوجود طفلتين» إلا أن لبنى أكملت خطوة خطوة وإن كانت خطواتها صغيرة..
«ودورة بعد دورة ودراسة بالليل بعد أن ترقد الصغيرتان ووالدهما.. وقراءة كتب ودورات أونلاين» بدأت اعمل طلبات «كيك» حتى تتدرب أكثر وتكتسب خبرة في إعداد أطباق مميزة».
من هنا بدأت لبنى مشروعها «la joulina» أو «جولينا» الذي سمّته تيمنا باسمي أجمل ما في حياتها هي وزوجها: «جود ولينا».
هذا كله كان صعبا وصعبا جدا، لكن؛ «حقيقةً.. لا شيء يأتي بسهولة» وصار «جولينا» بالنسبة إليها «ابنتي الثالثة».
عندما بدأت أزمة جائحة كورونا في آذار الماضي كانت لبنى في عمّان، فاستثمرت فترة الحجر والحظر الشامل بأفضل الطرق..
كان زوجها عالقا في قطر وهي بعمّان، وساعدها وجود والدتها إلى جانبها في رعاية ابنتيها والتركيز أكثر على الدراسة ومتابعة ما يجدّ من دورات في صناعة الحلويات عبر الإنترنت.
تقول لبنى عن مشاعرها ووضعها في تلك الفترة: «عندما يكون شغفك بالشيء كبيراً تحس أن هذا الشغف ينتقل إلى من هم حولك.. كل أهل بيتي صاروا يحبون شغل الحلويات وينشغلون فيها ويتحدثون عنها..».
تحول المنزل خلية نحل منشغلة بالحلويات ويتناقشون فيها وفي أنواعها وأصنافها وتطويرتها وطرق إعدادها.
كانت مشكلتها الدائمة «نقص الأدوات والمواد عندنا بالأردن.. وكنت أضطر أن أوصي عليها من الخارج أو عبر الإنترنت..
استمر ذلك وهم منغمسون بنقاشات وسهرات طويلة ودراسة للسوق والمشاكل المتواجدة فيه، وبناء على كل هذه المعطيات «فتحنا شركة العابد لمستلزمات الكيك والحلويات، وأخدنا وكالات أفضل الشركات التركية.. وفتحنا معرضاً في منطقة وادي صقرة ووفرنا فيه كل ما يمكن من احتياجات عالم الحلويات».
اللافت كذلك أن المعرض لم يكن مخصصاً فقط للمحترفين؛ وإنما «حتى المبتدئون الذين يرغبون الانخراط في هذا المجال كانوا يجدون كل ما يلزمهم فيه.. والأهم هو توافر المساعدة والنصيحة..».
الفكرة لم تنحصر في البيع فقط.. «إذ كنا نبقى على تواصل مع الزبون بعد البيع كذلك حتى يتمكن من الوصول إلى النتيجة التي يريدها».
وجهزت لبنى مطبخاً كاملاً في المعرض «حتى نستطيع من خلاله تقديم فائدة أكبر عن طريق تجربة وصفات جديدة ومشاركتها مع الزبائن عن طريق عقد الدورات..».
أصبح الأمر أكثر جمالية وأسهل.. لكن «بعد جهد وتعب كبيرين قبل اقتتاح المحل وخلاله.. ناهيك عن اتوتر والقلق والخوف الذي رافق هذه المرحلة.. والتوق إلى أن يكون كل شيء ممتازا وكما نأمل أن يكون..».
ومثل بقية الأمهات «كان أكبر تحدٍ يعيقنا هو أبناؤنا لأن حبنا وخوفنا عليهم يجعلنا نتخلى عن كل شيء لمصلحتهم».
لكنها في الوقت ذاته اكتشفت أنه «إذا كنا نحبهم فيجب أن نحب عملنا ونشتغل على تطوير أدائنا وتحسين مستقبلنا.. الذي بفضله يمكن أن نؤمّن مستقبلهم».
وتؤكد لبنى أن الطريق ليس دائما ممهداً ويسيراً؛ فـ«كثيرا ما تكون الظروف صعبة والمعيقات كثيرة وكبيرة.. ولن تجد كل ما تتمناه بيسر.. لكن بروح التحدي والإصرار والعزيمة والتعب تستطيع تحقيق ما تبتغيه، وبخاصة إذا كان لديك الدعم المعنوي من الزوج والعائلة.. عندها يصير الحلم واقعاً..».