كلام كثير يُقال، ومنذ بداية الجائحة، عن التعلم الإلكتروني عن بعد. وهذا متوقع لا بل مطلوب لأهميته.
والحقيقة أن معظم ما يُقال، من رأي وآراء، إيجاباً أم سلباً، يُثري النقاش ويُعمّق الفهم، شريطة أن نخضعه للتفكر والتأمل والتحليل، ولا نأخذه على علاته.
فالإشكال يكمن عندما لا نُدقق أو نُمحص فتختلط الأوراق.
والحقيقة أيضاً أن مؤسساتنا التعليمية قطعت أشواطاً لا بأس بها في التعامل مع التعلم الإلكتروني. ولقد شهدنا تحسناً في الأداء من بداية الجائحة إلى الآن.
وعندما نتحدث عن «التحسن» فليس المقصود أن الأداء مقبولٌ تماماً.
كلا؛ فالمقصود هو أن تعاملنا، في ظروف الوباء الاستثنائية هذه، كان على قدر معقول من الفاعلية في ظل المُعطيات والمُحددات، ومن أهمها أن التعلم الإلكتروني الكامل عن بعد هو في جلّه طارئ علينا مفاجئ لنا، رغم أنه كان – أو كان شكلٌ منه – حلماً ومطمحاً منذ مدة، لكننا تباطأنا أو تلكأنا بعض الشيء، فأُخِذنا على حين غرّة.
كثير يمكن أن يقال، لكنني أقفز عن ما قيل إلى ما لم يقل، أو ما لم نسمع الكثير عنه، حتى نضع الأمور في نصابها.
حلقتان مفقودتان في خطابنا هنا.
الأولى وتتمثل في غياب التفاصيل وسيطرة العموميات؛ والثانية وتتمثل في نسيان البعض أن قرار الانتقال المفاجئ للتعلم الإلكتروني الكامل عن بعد لم يكن قرار أحد.
بالنسبة للأمر الأول، لا يجب أن ينصبّ حديثنا، بما في ذلك الحديث الإعلامي مع المسؤولين، حول العموميات: هل أخفقنا أم نجحنا؟ هل نعود إلى المدرسة والحرم الجامعي أم لا؟ هل تكون الامتحانات عن بعد أم في المؤسسة؟
تكرار هذه الأسئلة أو اجترارها لا يفيد في شيء، ما دامت الجائحة مستمرة والوضع خطير.
ما يفيد أن ندخل في التفاصيل التي تُحدث الفارق.
مثل ماذا؟ مثل الآتي:
ما نوع الجهاز الذي يجب أن يستخدمه الطلبة للتعلم الإلكتروني وكيف نوفره لهم؟ كيف نضمن وجود سرعة إنترنت كافية وبنفس القوة في جميع أنحاء المملكة؟ كيف نحسّن من البيئة البيتية لتكون مواتية للتعلم؟ كيف نعلّم أبناءنا، حتى الأطفال، الاعتماد على أنفسهم في التواصل على منصات التعلم كي يكونوا متعلمين فاعلين وكي لا يكونوا عبئاً على أولياء أمورهم؟ ما هي المهارات – مهارات التعلم المتزامن وغير المتزامن – التي يجب أن يتقنها المدرس كي يكون مدرساً فاعلاً؟ كيف نساعد المؤسسة على توفير الأدوات والأجهزة الإلكترونية والمنصات التي تخدم التعلم بفاعلية، إلخ.
بالنسبة للأمر الثاني، يجب أن يتم التأكيد، وهذا غائب في معظم ما يقال، على أن خيار اللجوء إلى التعلم الإلكتروني عن بعد ودون سابق إنذار لم يكن خيار أي أحد منا، لا مسؤول ولا طالب ولا مدرس ولا مؤسسة تعليمية، بل كان خيار «السيد» فيروس كورونا.
ومن هنا فبدل التصرف وكأن لنا خياراً في شكل التعلم، الأجدر والأجدى أن نركز على ما يجب فعله لإنجاح الشكل الذي فرضته الجائحة علينا حتى نُقلل الخسارة ونُعظّم الفائدة.