(2-1)
صدر عن الرابطة المحمدية في الرباط كتاب «الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر.. دراسات مهداة إلى المفكر رضوان السيد» ضمن سلسلة كتاب الإحياء، الكتاب ينقسم إلى قسمين، القسم الأول دراسات حول التجديد في الفكر الإسلامي، والقسم الثاني دار حول فكر رضوان السيد، قدّم الكتاب الدكتور أحمد العبادي الذي ذكر أنه تعرف على الأستاذ رضوان السيد بشكل مباشر من خلال كتاباته المرجعية حول الأمة والدولة والجماعة، ومن خلال المجلات العلمية الرصينة التي ترأس تحريرها، أو أسهم في بلورة تصورها العلمي؛ وبوجهٍ خاص مجلة «الفكر العربي»، ومجلة «الاجتهاد»، ومجلة «التسامح» التي أضحت توسم بمجلة «التفاهم».
وفي كل المنابر حرص الأستاذ رضوان السيد على طرح قضايا معرفية؛ تاريخية واقتصادية، وثقافية، وسياسية، ودولية بالغة الأهمية والأولوية في مشهدنا الثقافي العام، استقطبت نخبة مرموقة من الباحثين والمفكرين من شتى المنازع والتوجهات الأكاديمية.
زخر القسم الثاني من الكتاب بالعديد من الكتابات حول رضوان السيد لعل أهمها دراسة الدكتور محمد شهيد تحت عنوان «ملامح المشروع الفكري لرضوان السيد من خلال مجلة الاجتهاد».
يري محمد شهيد أن مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي تميزت ببروز عدد مهم من المنابر الفكرية، ساهمت بشكل فعال في تأسيس وبلورة نخبة من المفكرين والمثقفين في العالم العربي استطاعوا حمل راية الفكر والثقافة في الوطن العربي. هذه النخبة كان لها تأثير بالغ في تنوير العقل العربي من خلال الدراسات والبحوث التي كانت تنشرها في تلك المنابر المتميزة. كما أن هذه المجموعة من المثقفين تميزت أيضًا بجرأتها وإقدامها على مباحث ومحاور فكرية وثقافية بعمق وجدية ناسبت الظرفية التي يعيشها العالم العربي.
إن الأستاذ رضوان السيد كان من الأوائل الذين ساهموا بشكل عميق وبارز في صنع هذه النخبة وتأسيس لبناتها الأولي، وذلك من خلال تبوئه مكانة الصدارة والطليعة في الحقبة الحساسة من تاريخ الأمة، التي تميزت بازدياد مطامع الغرب المفتون بقوته في الوطن العربي والإسلامي: غزو لبنان وما شكله من صدمة وصحوة في نفس الحين، غزو أفغانستان وتعقيداته بين الشرق العربي والإسلامي والغرب قيام الثورة الإسلامية في إيران وما نتج عنها من إشكالات وتناقضات بين العالمين، دون إغفال القضية الفلسطينية ونكبتها في ظل الوضع العربي الهش..
في ظل هذه الأوضاع السياسية الاجتماعية الثقافية الاقتصادية المتشابكة والمعقدة كان الأستاذ رضوان السيد يؤدي دورًا محوريًا ومتميزًا لا يستطيع تأديته إلا الرواد ولا يقوم به إلا أصحاب الرسائل والضمائر الحية.
لقد تصدى لهذه المهمة النبيلة الأستاذ رضوان بكل جدية وتفان من خلال المواضيع التي عالجها في دراساته ومؤلفاته الغزيرة والمتنوعة، حتى ليصعب على الباحث أو الدارس حشرها في تخصص معين من كثرة تشابكها وتشعبها في مواضيعها ومباحثها. فقد كتب «الأمة والجماعة والسلطة، دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي» وكتب «مفاهيم الجماعات في الإسلام» وكتب «الإسلام المعاصر» وكتب كذلك «الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الإيديولوجيا في الفكر السياسي العربي الإسلامي» وكتب «سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات» وكتب كذلك «جوانب من الدراسات الإسلامية الحديثة».. كما له أيضًا ما لا يحصى من الدراسات والأبحاث المنشورة في عدد كبير من المجلات والدوريات..
من جانب آخر وللقيام بنفس الدور والمهمة التي تصدى لها الأستاذ رضوان السيد فقد تقلد مهام فكرية حساسة من خلال تحمله مسؤولية التحرير مرات متعددة وفي مجلات فكرية رائدة. وهكذا فقد سبق له أن كان رئيس التحرير في مجلة «الفكر العربي» التي كان يصدرها «معهد الإنماء العربي» في بيروت، كما سبق له أن شارك الأستاذ الفضل شلق في رئاسة تحرير مجلة «الاجتهاد» التي كانت تعنى بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي، وهو الآن يشغل رئيس تحرير مجلة «التسامح» التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان، وأصبحت حاليًا باسم جديد هو «التفاهم». بالإضافة إلى ذلك فقد شارك في الهيئة الاستشارية لعدد من المجلات كما هو الحال في مجلة «الحوار» التي تحولت فيما بعد إلى مجلة «منبر الحوار».
كما أسهم الأستاذ رضوان السيد في عدد لا يحصى من المجلات العلمية المحكمة، فقد نشرت له مجلة «منبر الحوار» ومجلة «الفكر العربي» ومجلة «مستقبل العالم الإسلامي» ومجلة «الإنسان المعاصر»..
إذا استقرأ الباحث كتابات ودراسات وبحوث الأستاذ رضوان يصعب عليه تصنيفها في أي خانة من خانات التخصص التي يلحقه به، وتزداد هذه الصعوبة حين يعرف تكوين الأستاذ العلمي. كيف لا وهو الذي تحصل على الإجازة من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة توبنغن بألمانيا الاتحادية؟
إن هذه الازدواجية في التكوين هي التي أعطت للأستاذ هذه الأصالة والتميز في أطروحاته. فهو على اطلاع مهم فيما يخص العلوم الشرعية، ثم على اطلاع على الفكر والفلسفة الغربية خصوصًا من معينها وفي عقر دارها. هذا التنوع في التكوين الذي يجمع بين الثقافة الذاتية والثقافة الأخري من النادر جدًا أن تجده عند العدد الكبير من المفكرين العرب خصوصًا الحاليين وحتى عند من سبقهم. لذلك للأستاذ رضوان السيد خصوصيات فريدة تحيلك على الشخصية الموسوعية بالمعني الإيجابية للمصطلح؛ أي الاطلاع الواسع المفيد على المعارف والعلوم والثقافات والتخصصات المتعددة.
هذا التنوع والتعدد في التكوين أيضًا كانت له عدة مزايا أخرى، يبقى أهما بالإضافة إلى ما سبق، كون الأستاذ من أكبر المفكرين العرب المسلمين انفتاحًا على كل الأفكار والثقافات والحضارات، يتعامل معها تعامل الواثق من فكره وثقافته وحضارته، فلا يعرف التشنج والتعصب في طرحه وأبحاثه ولا يشعر القارئ بأي نفحة من نفحات التشدد والتمسك بالرأي مهما كانت درجة صوابه ونسبة قربه من الحق.
ثم قدم معتز الخطيب رحلة في عالم رضوان السيد، ذكر فيها أنه بعد عودة رضوان السيد من ألمانيا نشر تحقيقًا لكتاب «الأسد والغوّاص» (مجهول المؤلف) في طبعته الأولي سنة 1978، وهي حكاية رمزية لعلاقة السلطة بالعالم، أو السياسة بالشريعة، وهي تشبه قصة «كليلة ودمنة» من حيث الشكل، وتختلف عنها من حيث المضمون؛ ففي «الأسد والغواص» يتعاون فيها العالم (الغوّاص) مع الملِك (الأسد) لإصلاح أمور المملكة. ثم نشر في سنة 1979م تحقيقًا لكتاب الماوردي «قوانين الوزارة وسياسة الملك»، كما نشر نصوصًا أخري كلاسيكية، وكان يكتب لتحقيقاته مقدمات تأريخية تحليلية في الفكر السياسي الإسلامي.