اليوم السابع من شباط ذكرى رحيل أغلى الرجال الحسين بن طلال الذي لا ندري أنتحدث عنه إنساناً أم قائداً شجاعاً أم وريث النهضة العربية الكبرى التي جسدها بالفعل والبذل والتضحية أو ترانا نتكلم عنه داعية محبة ووئام وانسجام ناضل بلا هوادة من اجل إقرار السلام، ولعمري إن تناولنا منه جزءاً «عتب» علينا القلم الذي أنسيناه أركاناً أخرى في مسيرة الحسين الذي قلما تجود بمثله الأمم والعصور وبما أوتيه من إخلاص وحكمة ورغبة وإرادة.
مات الحسين فعانقت السماء الأرض فهطل الغيث منها مدرارا.. وانسكبت دموع الحزن فروت ثرى الأردن بقدر ما كانت عطشى للماء.. مات الحسين وبنفس الجلال والمهابة والإيمان الذي عاش به وحمل المملكة بين يديه جاءت كلها إلى عمان التي أحبّ لتحف النعش يوم وداعه المهيب وروح الحسين المسجى ترفرف مزهوة بنا وبالأردن كما زهونا به قائداً مفدى على امتداد سنوات وسنوات.
لكنهم الهاشميون العظام ما ترجل منهم فارس إلا اعتلى الصهوة فارس آخر، فها هو شبل الحسين يرتقي العرين ويعتلي العرش ويقسم اليمين وبين ظهرانيه وملء سمعه وبصره قول والده وهو يخاطبه «وكلي ثقة واطمئنان بأنك أهل لتحمل هذه المسؤولية الجليلة وأنت ابني الذي نشأ بين يدي حب الوطن والانتماء إليه والتفاني في العمل الجاد ونكران الذات وتوخي الموضوعية والاتزان والاسترشاد بالخلق الهاشمي السمح الكريم».
عقدان وزيادة وربّان السفينة عبدالله الثاني ابن الحسين يسير بالركب قائداً عربيّاً هاشمياً بارّاً بقسمه وفيّاً لبلده ولبني قومه وأمته وحاملًا مشعل العمل ومعول البناء الدؤوب، فيكمل الأردن مسيرته وسط بحور من المياه المتلاطمة أمواجها ليوصلنا إلى برّ الأمان والشعب من حوله كذراعه ويفرد له أجنحة الحب والولاء كحبات من اللؤلؤ فيتربع على عرش القلوب ويحمل على كاهله حُلم الدولة وبنائها بما عُرف عن الهاشميين من أنفة وهمة وكبرياء وطني وقومي وعربي لا تلين له قناة.
وعلى خطى الآباء والأجداد تُبنى الدولة بالعزيمة ويصل صوت الملك إلى أقاصي الدنيا باحثاً عن إعادة الحق إلى نصابه ومنافحاً عن دينه ودين جدّه عليه السلام ويؤذن في العالم أجمع أنّ الإسلام براء مما يحاول أعدائه أن يلصقونه به إفكا ًوزوراً وتجنيّاً.
وفي مدن وقرى وأرياف وبوادي وأزقة المملكة فيكون للسائل وللمحروم ملاذًا وللمريض والمحتاج عوناً، وللثكالى واليتامى والأرامل والمساكين مواسيًا وجابر خواطر ومسارعاً لنجدة مظلوم لحق به ضيم، وبهذه الروح يكون لنا مثالاً يحتذى ويعلمنا كيف يكون القائد قدوة وكيف يكون المبدأ وكيف يكون النهج، حتى إذا ما شاب شعر رأسه رضي به شيباً وقاراً وهيبة ارتضاها لنفسه ليبقى شعر الأمة العربية وشعر شعبه الأبي أبيضً ناصعاً كالشاشة البيضاء.
السلام عليك يا حسيننا أباً وملكاً ومعلماً وسيّداً.. ورعاك الله يا ابن الأكرمين عبدالله الثاني سنداً ومعززاً وأخاً وقائداً رائداً وأنت ما زلت تمضي وتحقق حلم الدولة الكبير.