كتاب

الحسين في (الحسيني)

تترجم زيارة ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله للمسجد الحسيني في وسط مدينة عمان، برهان النهج الذي حافظ عليه الأردنيون بوصاية غير قابلة للمناقشة أو المفاوضة بأن رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية هي نهج هاشمي، ونحن نتذكر حادث الحريق العارض الذي أصاب جزءاً من المسجد نتيجة تماس كهربائي، ليصدر الأمر الملكي من جلالة الملك بإجراء الصيانة اللازمة وإعادة ترميم هذا المعلم؛ الحضاري، الثقافي، الديني، في قلب عاصمة الهاشميين، لأنه تحفة فنية، تسطر تاريخ الأردن منذ فجر التاريخ، وتسلسل الحضارات والعهود والشعوب التي سكنت واستقرت بجانبه، وقرب عيون مياهه التي لا تنضب، بإعتباره المشروع العمراني الأقدم بتاريخ الدولة الأردنية وفي عاصمتها الحبيبة، وهو بحق يمثل ملحمة تناغم بين حاضر مدينة عمان مع ماضيها وعراقتها حيث ذاك الحرم الذي يضم مسجدا بُني في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وبهندسة راشدية تحمل عبق التاريخ منذ نحو اربعة عشر قرنا، وكانت سائدة في عهد الخلفاء الراشدين، ولهذا فقد عرف المسجد بإسم المسجد العمري، بالرغم من وجود فاصلة توقف تاريخية تستحق الوقوف على فقراتها وذكرها، حيث يتفق عدد مقدر من المؤرخين الذين درسوا التاريخ والزخارف التي تزين المسجد بأقسامه على أن المسجد يعود إلى العهد الأموي، ويؤكدون أنه عُرف قديمًا باسم «المسجد الأموي».

بقي المسجد يحمل اسم «الجامع العمري» حتى عشرينيات القرن الماضي، حين اعيد بناؤه كواحد من أهم معالم تاريخ مدينة عمان، يحكي قصة بناء الدولة الأردنية، يحافظ على تألق النخبة من الأجداد الذين شيدوه بفنون، فقد بوشر البناء في الجامع الحسيني سنة 1924، وانتهى العمل به سنة 1927، إذ أسسه الأمير عبد الله الأول بن الحسين وتمت تسميته بهذا الاسم نسبة إلى الشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، ليكون رمزا وتحفة فنية شامخة تزين المكان وتنثر البركات، حيث صفاء القلوب والعبادة، فوسط المدينة يتمتع بنكهة خاصة لا يمكن المنافسة عليها أو العبث بسيمفونيتها، فهو نقطة الارتكاز والبعد والمرجع، للتوسع العمراني الذي شهدته المدينة، يجمع أركان المجد، ويترجم أركان الربط، فيه قصص الحضارات، لأنه في وسط مدينة عمّان، المكتظ بحركة الناس والباعة على مدار اليوم، يقف المسجد الحسيني معْلما مضيئا بعبق الماضي وعراقة التاريخ، منسجما مع حاضر المدينة ومواكبا للتطورات التي شهدتها على مدار قرون، وهو المكان الذي احتضن موجات الهجرات القديمة لأردن السلام والوفاء، والأقرب بمسافة البعد من أهم معالم المدينة بتاريخها.

لقد ارتبط الهاشميون تاريخياً بعقد شرعي وأخلاقي مع مكة المكرمة والمقدسات الإسلامية، فحفظوا لها مكانتها، ونأوا بها عن خصومات السياسة، ووجود الحسين في المسجد الحسيني أمس، مسجد الجد الأكبر والمؤسس، يبعث برسالة، بأن الهاشميين على العهد، ورعاية المقدسات هي قدسية تروى بالعمل والمتابعة، فمن الحسين الجد الأكبر مرورا بالحسين الجد، ووصولا للحسين الحفيد، ولي العهد المحبوب، إبن عبدالله الثاني، عميد آل البيت، مسيرة بناء تحكي عظمة الدولة الأردنية وتاريخها، ملحمة عطاء متجددة، ممزوجا بحروف الحرص، ففي كل زاوية قصة وعبرة، والمسيرة تنطق بالمواكبة مع المحافظة على الأصل، لنختم بالدعاء بأن يحفظ الأردن القوي المستقر، بقيادة جلالة الملك، وللحديث بقية.