ما زالت «كورونا» تواصل اختبار قيمنا الإنسانية، وتضعنا مجدداً أمام حقيقة وهن وهشاشة الأخوَّة الإنسانية، ودائماً تخرج الإنسانية من اختبارات «كورونا» بفشل أخلاقي يؤكد زيف التعاون الدولي، وتراجع فرص بناء علاقات دولية تستند للمصير المشترك لبني البشر.

«فشل أخلاقي كارثي» بهذه العبارة يصف مدير عام منظمة الصحة العالمية حال دول العالم بعد بدء توزيع لقاحات فيروس كورونا المستجد، حيث كان واضحاً غياب العدالة عن سياسات توزيع اللقاحات، وقد أشار مدير المنظمة إلى أنَّ اللقاحات وزعت بمجملها في الدول الغنية في حين لم تحصل دول العالم الفقيرة على أدنى حاجاتها من اللقاحات، وقال من المؤسف أن يأخذ من هم في فئة الشباب في الدول الغنية لقاحات مضادة للفيروس في الوقت الذي لا يجد من هم معرضون بشكل مستمر للخطر في الدول الفقيرة اللقاحات التي قد تنقذهم من الموت، وقد بينت إحصاءات المنظمة أن إحدى الدول الفقيرة لم تحصل سوى على (49) جرعة.

في الوقت الذي يزداد فيه عدد الفقراء واللاجئين والمشردين في العالم وتتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء نجد أن جذوة القيم الإنسانية تخبو والتي من المفترض أن تسود في عالم متحضر ومجتمعات مدنية تدعي احترامها لمنظومة أخلاق وقيم تحقق ما يطلقون عليه المواطنة العالمية كاحد تجليات العالم الجديد الذي يراهن على علاقات دولية ترتكز إلى قيم التسامح والسلام والانفتاح وصون حقوق الإنسان، غير أن واقع الحال مخالف تماماً لهذه التجليات، فقد كشفت «كورونا» أن هذه المبادئ لا تعمل في الواقع، وأنها فقط شعارات وطروحات نظرية يطلقها السياسيون وأصحاب رؤوس الأموال لتحقيق مصالح امتداد السلطة والثروة.

الأردن قدم مثالاً مغايراً لما يشهده العالم من غياب للعدالة والمسؤولية الأخلاقية، فرغم أن المملكة الأردنية الهاشمية تحتضن أعداداً كبيرة من اللاجئين، غير أنها أتاحت اللقاحات لمواطنيها واللاجئين على حد سواء، بل بادرت وزارة الصحة الأردنية إلى تنظيم زيارات لمخيمات اللأجئين لإعطاء الراغبين منهم اللقاحات المضادة لفيروس كورونا.

السياسة الأردنية فيما يخص التعامل مع الأزمات والكوارث وبمبادرات ملكية كانت على الدوام تسمو فوق كل اعتبار إلا الاعتبارات الإخلاقية التي تدعم القيم الإنسانية، فالأردن يمتلك تاريخاً مشرفاً ومؤطراً باخلاق عربية هاشمية في مساعدة الشعوب والدول التي تعرضت للكوارث والحروب والنزاعات رغم ضيق ذات اليد، وهذا الأمر يستدعي التفات دول العالم والمنظمات الإنسانية لدعم جهود الأردن في رعاية اللاجئين وتأمين ظروف صحية ومعيشية مناسبة لهم.

كما يتوجب على المنظمات والمؤسسات الدولية التي تروج لمفهوم المواطنة العالمية وتسعى لمجتمع دولي تسوده العدالة والمساواة والسلام أن تشير بوضوح إلى الدور الأردني كمثال حقيقي يعمل على تعزيز هذه القيم ويقدم حالة تتقدم على الكثير من الدول التي تستطيع ان تنجز هذا المفهوم على أرض الواقع، ويستحق الأردن مزيداً من الدعم والمساندة لهذه الجهود الإنسانية التي تكرس أخلاق وقيم انسانية راقية.

rsaaie.mohmed@gmail.com